الضاحية حين خنقها الصمت: حان وقت الثورة!

نذير رضا

الثلاثاء 14/01/2020
لم تعد ضاحية بيروت الجنوبية بمنأى عن التحركات الاحتجاجية. تتعالى الأصوات المؤيدة للثورة، بعد 90 يوماً من الفشل في النهوض من الأزمة. تُسمع تلك الأصوات في كل المواقع التي يتواجد فيها السكان، في الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي، بخلفية مطلبية صرفة: لا ماء ولا كهرباء ولا أعمال! وهي الدافع للانضمام الى ساحات الثورة. 

غير أن هذا الانضمام مشروط. تحبطه أي شتيمة/نقد لأمين عام "حزب الله" حسن نصر الله، أو رئيس مجلس النواب نبيه بري. فالتعميم، والشعارات المطلبية، هي الشرط الواضح للانضمام الى الساحات، وهي القاسم المشترك بين أبناء الضاحية وسائر المناطق، الذين يلتقون على المعاناة. 

ليل أمس الإثنين، في التجمع أمام مصرف لبنان، تحدّث شبّان من الضاحية، مشاركون في التجمع المندّد بسياسات المصرف، إلى التلفزيون. بدأوا حديثهم بالتحية لنصرالله وبري، وأنهما "على رؤوسنا"، وأكملوا مستنكرين الوضع المالي والمعيشي الصعب الذي يشعرون به، مثلهم مثل سائر اللبنانيين. بل وقال أحدهم، على الهواء مباشرة، إنهم اليوم مجموعة صغيرة يشاركون كبداية، وأنه غداً ستأتي مجموعات أكبر من الشباب.

وانقلب المشهد أخيراً باتجاه تنامي التأييد للتحركات، على خلفية فشل السلطات السياسية في تشكيل حكومة، وتزايد مشكلة شحّ الدولار وتزايد الأسعار في الأسواق الاستهلاكية. في نقاشات "تويتر"، يشكو هؤلاء من أن قيمة الراتب الذي يتقاضاه أحدهم تضاءل الى 500 دولار، لا تكفي لدفع إيجار المنزل وتأمين الخدمات الاساسية. لكنه لم يكن يرغب في التحرك في الشارع "كي لا أكون وقوداً لأجندات سياسية ستنال من تضحياتنا". لكنه، في الواقع، مؤيد لـ"ثورة تزيل كل المسؤولين عن جوعنا". 

والضاحية، التي تسكنها فئة واسعة من الفقراء، لم تكن، منذ اليوم الأول، بعيدة من الاحتجاجات. انضم سكانها الى الحراك لدى الإعلان عن ضريبة الواتسآب في 17 تشرين الأول، واخلوا الساحات بعد الخطاب الثالث لنصر الله الذي دعاهم فيها الى إخلائها. 

وكان هؤلاء يراهنون على تدخل "حزب الله" لإنقاذ الوضع الاقتصادي. رسائل الواتسآب عبر المجموعات، طمأنت، إلى حد كبير، بأن الوضع سيجري تصحيحه، لكن هذه الوعود لم تثمر أي نتيجة. فالهيكل السياسي في البلاد عاصٍ على التصحيح، ولم يثبت أي من المحاولات بأن هناك اتجاهاً لتصحيح الوضع الاقتصادي، لا عبر تشكيل حكومة الرئيس المكلف حسان دياب، ولا عبر التخفيف من قيود المصارف، فيما يزداد الفقر وتتفشى البطالة. 

وبقيت تحركات أبناء الضاحية محدودة جداً، وغير منظّمة. في الساحات، يشارك بعضهم تحت شعارات مطلبية، ورفضاً لتوجيه الشتائم إلى رموزهم السياسيين. الآن، تتسع هذه المشاركة، أو على الاقل الوعود بها. فالأصوات التي التزمت الصمت قبل ثلاثة اشهر، تخرج إلى العلن الآن، بدليل النقاش الذي عُقد على نية منشور فايسبوكي في صفحة "الضاحية"، يقول: "الانفجار هذه المرة سيكون أعنف وأقوى"..



في النقاشات، يتبادل السكان مجموعة رؤى مختلفة للواقع السياسي والمعيشي، ويظهر تأييد كبير للتحركات في الشارع. يتنكر كثيرون للتعميم السابق حول اعتبار الثورة "شغل سفارات"، ويوضح آخرون أن الهم المعيشي مشترك مع سائر اللبنانيين. ويذكر آخرون أن الضاحية هي أول من نزل الى الساحات، في حين يتحدث آخرون عن "الوعي المتأخر لضرورة المواجهة مع السلطة".. ويقول آخر: "ما حدا عاد طايق هالوضع.. يا جماعة الناس اتبهدلت". 

والنقاش، يلي تعالي الأصوات المنتقدة للأداء الحكومي. لا يخفي ناشط أن انقطاع الكهرباء ألزمه بالاستحمام بالماء البارد لمدة أربعة ايام.. ويشكو آخر من ارتفاع نسب البطالة، ويعترض آخر على غلاء الأسعار. فالأزمة المعيشية تطاول السكان جميعاً، وتوحدهم على مطلب واحد، لكنه في الضاحية مشروط بالتعميم وعدم تناول الرموز. 

على ان هذا الحال، هو واقع افتراضي حتى هذه اللحظة، ولا يمكن سحبه على الجميع عندما يصبح الأمر على شفا التنفيذ. فترجمة هذه التحركات في الشارع، بالانضمام الى الساحات، على مستوى أكبر من التحرك الفردي، تحتاج الى قرار سيثبت ما يغرد به السكان أو يدحضه لدى استحقاق الشارع. 











©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020