زعامة إسلامية.. أردوغان يحيي "الجيش المحمّدي"!

وليد بركسية

الخميس 10/10/2019
لا غرابة في استخدام الرئيس التركي رجب طيب أروغان، وصف "الجيش المحمدي" عند حديثه في "تويتر" عن الجيش التركي الذي بدأ عملية عسكرية ضد الأكراد شمال شرقي سوريا، ولا غرابة أيضاً في حصر تلك التغريدة باللغة العربية، فقط. فتركيا التي تعثرت إمكانية انضمامها للاتحاد الأوروبي طوال السنوات الماضية، لسبب أو لآخر، اقتنعت منذ فترة بالبحث عن عمق ثقافي/سياسي جديد لها، وباتت تبحث عن زعامة للعالم الإسلامي ودور أوسع لها في منطقة الشرق الأوسط، فيما تبتعد أكثر فأكثر عن حلفائها الغربيين في حلف شمال الأطلسي "ناتو"، بتأكيد صفقة الصواريخ الروسية "إس 400" مؤخراً.

وأحدثت التغريدة جدلاً واسعاً في وسائل التواصل، فبينما أشار معلقون إلى البعد الديني المستمر في خطاب أردوغان الذي يغذي النزعات الطائفية في المنطقة، وجاء في تغريدة لافتة هنا: "إيران ترفع راية الحسين وتركيا ترفع راية محمد"، بينما قال آخرون أن الجيش المحمدي هو الجيش الذي يحمي المقدسات في مكة والمدينة المنورة، في إشارة للجيش السعودي، بينما اتهم آخرون أردوغان بسرقة التعبير المستخدم حسب قولهم لوصف الجيش المصري. وألقى ذلك الضوء عموماً على الصراع الأشمل في المنطقة بعد الربيع العربي، بوصفه صراعاً إقليمياً، لا محلياً أو طائفياً، تتنافس فيه الدول على النفوذ من بوابة الدين الإسلامي الذي تدعي الدول الإقليمية، وتحديداً السعودية وتركيا وإيران، أنها تمثل النسخة الأصح منه.


وهذه ليست المرة الأولى التي يوصف فيها الجيش التركي بهذه الصفة خلال الأسبوع الجاري. فقبل أيام عنونت صحيفة تركية مشهورة ببث خطاب الكراهية وموالاة تنظيم "القاعدة"، على تلك التسمية: "ٲخبروا الكفار ٲن جيش محمد قادم!". لكن بالطبع أردوغان، ليس بهذه الفجاجة أو الحماقة. كما أن التعبير المستخدم في التغريدة، على عكس المانشيت، يعطي حيزاً للتهرب منه، وتقديمه ضمن سياقات لا دينية.

بدا ذلك واضحاً في التبريرات التي قدمها مغردون دافعوا عن الزعيم التركي، بالقول أن عبارة الجيش المحمدي لا تشير إلى النبي محمد مباشرة، بل إلى السلطان العثماني محمد الفاتح، بينما قدم آخرون روايات أخرى عن أن التسمية تعود لجندي تركي يدعى محمد خلال الحرب العالمية الثانية، من دون تحديد أهمية أسطورته الشعبية تلك، علماً أن الاستمرار في تقفي التغريدات في "تويتر" يقود للاصطدام بقصص وتفسيرات مختلفة، وصولاً للتغريدات التي لا تبالي بكل ذلك، وتفضل الخلفية الدينية البسيطة: جيش إسلامي يقاتل الكفار بقيادة "أسد السنّة"، ولا يتعلق الأمر هنا بمغردين عرب فقط، بل يمكن رصد تغريدات من دول مختلفة مثل باكستان وأندونيسيا والمملكة المتحدة وغيرها.

وحتى لو كان المقصد من العبارة، إعطاء بُعد قومي/عثماني للدولة التركية الحالية، فإن ذلك البُعد يستمد حتماً نفَساً دينياً لا علمانياً. ويمكن تلمسه بشكل مواز في الأخبار التي نقلتها وسائل إعلام تركية عن أن المساجد التركية ستتلو سورة "الفتح" القرآنية عقب صلاة الفجر من أجل مباركة عملية "نبع السلام" شمال شرقي سوريا، مثلما كان عليه الحال تماماً العام 2018 عند إطلاق العملية العسكرية السابقة في منطقة عفرين. ويتم تصوير الأكراد، وهم من المسلمين السنّة، ضمن هذه السردية بأنهم كفار وملاحدة، بعكس الوصف التركي الرسمي لهم بأنهم تهديد قومي، والذي كان واضحاً في خطاب أردوغان، الخميس  في مقر "حزب العدالة والتنمية".

وهنا يمكن تلمس الفصل بين اللعب على الشعور القومي واللعب على الشعور الديني، في خطاب أردوغان، رغم أن الحدود الفاصلة بين الخطين تتقلص تدريجياً، علماً أن أنقرة تعتمد على القوة الناعمة متمثلة في الدراما التلفزيونية تحديداً، لنشر زعامتها الدينية، ويمثل مسلسل "قيامة أرطغرل" مثالاً نموذجياً على ذلك. كما باتت تعزز تلك الجهود المثمرة بالقوة العسكرية كما هو واضح في تدخلاتها المباشرة في المنطقة، وفي تحالفاتها الدبلوماسية بعد الأزمة الخليجية العام 2017.

هذا النموذج التركي يأتي في سياق فراغ أحدثه تراجع في القوة الغربية التقليدية في المنطقة، مع رغبة الولايات المتحدة، منذ عهد الرئيس السابق باراك أوباما، في الانسحاب من الشرق الأوسط، والتي تعززت لاحقاً بسياسة "أميركا أولاً" التي ينتهجها الرئيس الحالي دونالد ترامب. وربما يكون الصراع الإقليمي الأوسع في المنطقة تعبيراً عن رغبة في ملء ذلك الفراغ، بالاعتماد على سرديات ثقافية تعطي شرعية للفاعلين السياسيين وخياراتهم العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية. ويتسق ذلك كله بشكل مدهش مع نظرية "صراع الحضارت" التي صاغها المفكر الأميركي الراحل صامويل هنتنغتون العام 1996.

ففي "تويتر" رد إعلاميون سعوديون على تغريدة أردوغان، بالحديث عن العمق العربي، وهي الخاصية الناشئة في السعودية التي اعتمدت طويلاً على الخطاب الديني للحصول على شرعية محلية من جهة وشرعية دولية بوصفها حامية للأراضي المقدسة. ويأتي الخطاب القومي/العربي الذي يشجعه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ضرورياً ليس فقط لتحديث اقتصاد المملكة وإبعاد التهم الغربية عنها بنشر الإرهاب، فقط، بل أيضاً لتحدي المنافسين الإقليميين الذين باتوا يهددون زعامة السعودية للعالم الإسلامي، وتحديداً تركيا "الأعجمية" التي تتحدث نيابة عن العالم الإسلامي السني، بعكس إيران التي تتحدث عن الإسلام الشيعي. وتبقى مصر التي تحتضن الأزهر، كمرجعية دينية مؤثرة، أضعف من امتلاك دور إقليمي في الوقت الراهن.

هذه التجاذبات تفسر الكثير من خطاب أردوغان وتغريدته على حد سواء، خصوصاً أن الرئيس التركي يتصرف بشكل متزايد كحارس للبوابة الحضارية التي تفصل العالم الإسلامي عن العالم الغربي. ويعزز هذا المشهد المربك، الصورة التي تحكم العالم اليوم وهي أن العالمين الإسلامي وغير الإسلامي باتا لا يتسامحان مع بعضهما البعض، لأن السياسين في العالَمين، من أمثال أردوغان وترامب، يميلون لمخاطبة أصحاب الآراء القائمة على الخوف من الآخر، في عالم متغير تنهار فيه القوة الغربية وتنشأ فيه قوى جديدة، وتبحث فيه الدول والأفراد عن معنى جديد للانتماء والمواطنة.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019