تامر مرسي يحرس الباب.. فيما السيسي يخنق الدراما

أحمد ناجي

الأربعاء 19/12/2018
مقززة هي دموع التماسيح التي يذرفها حيتان الإنتاج الدرامي، وتماسيح الإعلام المصري، بعدما صدرت الأوامر العسكرية العليا بتدمير الصناعة، وانهاء خدمات كل هؤلاء، وعليهم الآن أن يلبسوا الجلباب ويجلسوا في منازلهم أو يتجهوا إلى فتح مطاعم الشاورما أو الوقوف على عربات الكبدة.

كل يوم هناك منشور في "السوشيال ميديا" لمنتج أو مخرج مصري يبكي فيه على حال ما يسمونه بـ"صناعة الإعلام". يرفعون الدعاء والابتهالات، يخفون أخطاءهم وجشعهم وقصر نظرهم الذي قاد الى هذا الوضع، خلف عبارات من نوع "هناك 2 مليون شخص يعملون في صناعة الدراما والإعلام، من عمّال إلى نجّارين ونقّاشين وبائعي السجائر". 

هو المُنتِج ذاته الذي حارب مع زملائه، طوال سنوات، أي جهود لتنظيم العاملين في صناعة الدراما والإعلام، ورفضوا ويرفضون التأمين الاجتماعي أو الصحي على العاملين في أعمالهم التى ينتجونها. الآن يختبئون خلف العمّال الغلابة ويناشدون "السيد الرئيس" التدخل لإنقاذ "الصناعة".

حالة النفاق التي تميز النخبة الاعلامية والفنية المصرية، تتضح في بوست غادة عبد الرازق الشهير. 

منذ بضعة أشهر فقط، كانت غادة تركض في الشوارع، وتهتف باسم السيسي وتعلن مبايعتها له مرة ثانية "وللأبد نحو الخلود معاك يا ريس". لكن حينما صدرت الأوامر من هذا الرئيس بإرسال غادة الى المنزل، وعدم التعاقد معها على أي مسلسل لهذا الموسم، لم تناشد غادة السيد الرئيس لأنها تعلم أن هذا الباب مغلق الآن وعليه حارس اسمه تامر مرسي، بل خرجت تخاطب "الجمهور" وتستنجد به، وطبيعي لم تجد غادة من هذا الجمهور إلا الشماتة والسخرية.

ما يحدث اليوم، هو نتيجة لمشروع بدأ منذ تولى السيسي الرئاسة، مرحلته الأولى كانت في تصفية الإعلاميين والفنانين المعارضين، بدأت مع منع إذاعة مسلسلات بلال فضل، ومنع المنتجين من التعاقد مع الفنانين أصحاب المواقف الثورية أو المعارضة. 

بعد ذلك تمت تصفية الساحة من المنتجين الصغار. بالأمر المباشر، شاهدنا سلسلة من الاندماجات المتتالية لصالح رجال أعمال يعملون لصالح الجهات السيادية المصرية، ثم قررت تلك الجهات السيادية أن تدخل بنفسها في السوق، فجرى تأسيس شبكة قنوات DMC، وكذلك شبكة إعلام "المصريين" التي كانت مملوكة في البداية لأبوهشيمة.

في موسم رمضان الماضي، أصبح تامر مرسي هو واجهة الإعلام المخابراتي، ومارس الإقصاء بعنف مع كل المنتجين المنافسين. تم تحجيم شركة العدل للإنتاج الفني، وصدرت تعليمات تحدد لكل قناة فضائية -حتى غير المملوكة للمخابرات- ميزانية شراء المسلسلات، بل تم تحديد سقف إنتاج كل مسلسل.

هذا العام، وتحت إشراف تامر مرسي، وُضعت خطة حديدية مُحكمة. فبعدما كانت مصر تنتج في العام ما يقرب من 50 مسلسلاً، لن يُنتَج هذا العام سوى 14 مسلسلاً في أقصى تقدير. لذا، أعلن منتجون كبار توقفهم عن الانتاج هذا العام، ومنهم "العدل جروب"، ومها سليم، ومحمد مميش. منتجون آخرون مثل "السبكي"، أعلنوا انسحابهم من الانتاج التلفزيوني والاكتفاء بإنتاج السينما، بينما تتردد أنباء عن خروج بعض المنتجين من مصر ونقل نشاطهم إلى بيروت، في عودة إلي تقنيات "البقاء" في زمن الستينات، حينما تم تأميم وسائل الإنتاج الفني ووسائل التوزيع وخضع الوسط الفني للقبضة الحديدية لمخابرات صلاح نصر، ولم يكن أمام الفنانين سوى الهروب الى الخارج أو الانتقال للبنان ومحاولة تأسيس حركة إنتاج موازية. 

وهو المشهد الذي انتهى بهزيمة 67، ومحاكمة صلاح نصر رئيس المخابرات، بعد كشف تجاوزاته المتعددة والتى بدأت بتجنيد نجمات السينما وإجبارهم على ممارسة الجنس وتصويرهم في تلك الأوضاع، أو الفشل المخابراتي التام الذي قاد للهزيمة.

لكن جرائم مخابرات ناصر، والتدمير المتعمد لقطاع الانتاج الفني والإعلامي، كانت له أهداف معلنة واضحة، بدءاً من استغلال القوى الناعمة المصرية في مد الهيمنة الثقافية المصرية والخطاب القومي الناصري، وحتى تدعيم صناعة الوهم الداخلي وخلق واقع مواز يعلن فيه أحمد سعيد "إسقاطنا لطائرات العدو"، بينما العدو يتوغل في عمق سيناء. 

لكن في لحظتنا الراهنة، ما يحير كل هؤلاء المنتجين والفنانين المستعدين لعمل "عجين الفلاحة" أنهم لا يعرفون ما الذي يريده النظام الحالي، ولماذا ينكل بهم هكذا؟

النظام لا يريد إعلاماً في خدمته، لأنه شاهد كيف انقلب الإعلام الذي كان يخدم مبارك، في أيام معدودة، إلى أداة ساهمت في عزله. هو لا يريد إعلاماً موجهاً، لأنه لا يعرف إلى ماذا يوجهه. للدقة هو لا يريد إعلاماً.

يرفع هؤلاء المنتجون المناشدات للرئيس السيسي "يا ريس طيب بلاش احنا، عمال الإضاءة الغلابة الذين يعملون في المسلسلات". لكنهم لا يفهمون أن الهدف من كل ما يحدث هو تدمير دعائم تلك الصناعة بحيث تفقد أي قوة لها، ولا تكون هناك أي فرصة أمام مقتحم لمجال الإنتاج والفني سوى الخضوع لهم وبالشروط التى يحددونها.

تتحدث غالبية التقديرات عن أن اجمالي الاستثمارات في سوق الإنتاج الإعلامي والإعلاني المصري تبلغ 2 مليار جنيه مصري (100 مليون دولار). ومع القرارات الجديدة واحتكار السوق، سينخفض هذا الرقم كثيراً، وتم بالفعل فرض أرقام وأسعار جديدة. 

ولا يخفى على أحد أن عادل إمام مثلاً، ربما لا يشارك هذا العام بسبب إنقاص أجره إلى أقل من 60% من رقمه المعتاد. الأمر نفسه مع غادة عبد الرازق، وبقية نجوم الصف الأول.
فبالنسبة إلى عقلية محتكر السوق، لماذا يتقاضي هؤلاء النجوم كل هذه الأموال، بينما في الإمكان تأميم هذا المجال وتحويلهم موظفين يعملون بالسخرة وبأقل الأسعار.

يمكن أن نتخيل تامر مرسي، وهو يقف أمام رؤسائه سعيداً بانجازته وتنفيذ تعليماته، لكن هؤلاء الرؤساء لن يكونوا سعداء في المستقبل القريب. فإحصائيات المشاهدة تتحدث عن تضاعف نسب مشاهدة قنوات "الإخوان"، من "مكملين" إلى "الشرق". وإعلاميو ومذيعو "الإخوان" أصبحوا هم نجوم الشارع، بينما أصبح محمد ناصر المذيع الأشهر في مصر الآن. وبالتالي، قريباً، حينما يحتاج السيسي إلى هذا الاعلام والبروباغندا من أجل تعديل الدستور ليسمح له بالبقاء رئيساً مدى الحياة، لن يجد ذراعاً سياسية تحشد له المؤيدين، ولن يجد ذراعاً إعلامية تهتف له.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019