مصر التي بلا عيب

محمد خير

السبت 18/05/2019
يتقدم رجل تخطى سن الكهولة، من بائع فول وطعمية في القاهرة، يطلب منه "سندوتش فول"، لكنه لا يملك المال.

يفاجئه البائع بموافقة من نوع غريب: امسك "الجردل والمسّاحة"، إمسح هذه البقعة من أرضية المحل، المزدحم بالناس، مقابل سندويتش الفول.

نحن هنا –بالطبع- في أحد برامج "الكاميرا الخفية"، التي تشعّبت أنواعها منذ قدّمها ألن فونت نهاية الأربعينيات بعنوان Candid Camera على شاشة "سي بي إس" الأميركية، وجلبها إلى مصر والعالم العربي الفنان فؤاد المهندس ووكالة طارق نور بداية الثمانينيات. ولسنا –في حالة العمل مقابل سندوتش الفول- في نوع "الكاميرا الخفية المضحكة" التي تعتمد على صنع مواقف طريفة تضحك الجمهور، ولا نوع "المقالب ضد المشهورين" على غرار برامج "رامز في الأدغال"، ولا الكاميرا المرعبة التي تخلق مواقف شديدة الرعب والارتباك لـ"الضحية".


بل نحن هنا، أو يفترض أننا في إحدى حالات "كاميرا التجارب الاجتماعية"، التي تخلق موقفاً إنسانياً (اسم البرنامج "ورطة إنسانية" - شاشة "دي إم سي")، وتختبر عبر هذا الموقف ردود أفعال من يصادف تواجدهم أثناء التصوير. ويقدّم ذلك النوع من الكاميرا المخفية، فضلاً عن الترفيه، رصيداً حيًّا للمتخصصّين في شؤون الاجتماع، بالطبع مع اشتراط مصداقية البرنامج والتصوير.

لكن بسبب بساطة، كي لا نقول تفاهة، موقف سندوتش الفول، لطالما انتهت "الورطة" قبل أن تبدأ. ففي كل مرة تبدأ فيها تمثيلية العجوز الذي يطلب الطعام ويأتيه والرد المتعجرف من البائع، كانت الأيدي تمتد فوراً لتعرض دفع الثمن البسيط لطعام الرجل، حتى أن البائع الوهمي، ربما لإطالة التجربة قليلاً، لم يكن أمامه – في مواجهة رد الفعل السريع من الزبائن - إلا أن يرفض عرضهم بدفع ثمن الطعام! ما جعل موقفه أشد غرابة، وأقرب إلى الكوميديا.


والواقع إن ثمة بالفعل فرعاً كوميدياً يندرج تحت نوع "كاميرا الخبرات الاجتماعية"، حين تلتقط الكاميرا مثلاً، رد فعل المارة على مشهد معكوس تقوم فيه المرأة (الممثلة) بتعنيف أو ضرب شريكها (الممثل) بينما يستغيث هو بالمارة. غير أن التيار الأساس في "كاميرا الخبرات" ليس كوميدياً، وهو ينبني في الأصل على تناقضات المجتمع ومشكلاته الأساسية.

فمن أشهر النماذج الأميركية، بعد أحداث 11 سبتمبر، الكاميرا الخفية التي تظهر بائع محل يرفض خدمة امرأة مسلمة (يظهر إسلام المرأة –الممثلة- من خلال حجابها)، وكيف يتصرف بقية الزبائن. وهو نموذج نقله الإسرائيليون في "كاميراتهم الخفية" مع استبدال المرأة المسلمة بالفلسطيني. وثمة نماذج غربية عديدة توضح طريقة بناء كاميرا "الورطة الإنسانية"، ومن أبسطها استعراض لغة جسد المواطن الأبيض إذا جلس بالقرب منه مواطن أسود البشرة. بل تظهر إحدى التجارب، أن رجلاً (ممثلاً) أبيض استطاع أن يحصل بسهولة من المارة على نقود "فكّة"، بينما لم يحقق الممثل الأسود النجاح نفسه. وجرى نقل بعض تلك التجارب باستنساخ مضحك في بعض البرامج المصرية. إذا يطرد، في أحدها، صاحب المطعم المصري، زبائن سوريين رافضاً خدمتهم! مما يثير بالطبع ذهول وعدم فهم –قبل غضب- الزبائن المصريين.

أما بالعودة إلى حلقة سندوتش الفول، فقد بدا وكأن مؤلف "الورطة" قد صممها عكسياً، لا لملامسة أو إثارة تناقضات المجتمع، وهو هدف تسويقي قبل أن يكون "فكرياً". بل على العكس، لقد جعل "ضحية" الحلقة رجلاً متقدماً في السن في بلد أبويّ يقدر كثيراً كبار السن، وجعل موضوع "التضحية" زهيداً للغاية لا يزيد عن ثمن سندوتش فول، وذلك في البلد الأول في استهلاك الفول، والذي تنتشر فيه بقوة ثقافة التبرع. وكأن ذلك لم يكفِ، فيضيف الطلب المهين بمسح أرضية المطعم، ثم يجري تسويق الحلقة في الإنترنت تحت العنوان "لو لقيت راجل قد والدك جعان وعايز سندوتش فول بس مش معاه فلوس، هتعمل إيه؟".. يا له من سؤال صعب!

لا يبحث البرنامج هنا عن المروءة، بل يصطنعها اصطناعاً ويبخس ثمنها، مع أن البحث الجديّ عنها يكمن في قضايا أخرى كثيرة. يكفي مثلاً أن تكون الحلقة عن التحرش الجنسيّ وتصرفات المارة إزاءه. غير أن حلقة كتلك لن تكون مضمونة النتائج، في حين أصبح "الإعلام الجديد" يصرّ على أن تبدو مصر بلا أدنى عيب أو مشكلة، ولو في الكاميرا الخفية.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019