مسيَّرة MK... بعوضة تكشف أسرار بقائنا

زكي محفوض

السبت 20/06/2020

انكشف كل ستر يغطي فوضانا وتخبّطنا وقلّة حيلتنا: نستعين بصندوق النقد الدولي واضعين أمامه أرقام خلافاتنا. ننشد حل الفيدرالية كأنها نظام تباعد اجتماعي يقينا من وباء. نقرّر بيع البطاطا وشراء النفط بالليرة اللبنانية المنحطّة والفرار إلى الصين، هكذا عبر الشاشات. لم تردّ الصين بأنها ستستقبلنا في الأحضان. وسفيرة الولايات المتحدة تتجوّل بيننا كأم العروس أو العريس.

حكومة قوامها شعراء نثريون ومصففو شعر ومتخصصون في التباعد الآمن، بينهم "تيس"، على ما وصف نفسه. جلّهم تكنوقراط لا حول لهم، ولا قرار. قرارهم يتّخذه ويعلنه وزراء سابقون. معارضة تائهة تتحيّن فرص العودة إلى كنف الحكم. ثورة مشتتة وثوار يصوّبون على كل ما يطير في حقل الرماية. سلطة همّها الوحيد عدم المس كلامياً بذات الرئيس.

لم يعد من مكان في أجنداتنا لمعالجة الانهيار. تراجع اهتمامنا بالفقر والمدرسة والكهرباء وفرص العمل وعجلة الاقتصاد... وحتى بتحليق مسيرات العدو الغاشم، فما تلتقطه كاميراتها لم يعد خافياً على أحد. ومع ذلك، نتمنى أن نتخلّص من طنينها المزعج الغاصب، حتى لو لم يكن ذلك من أولوياتنا.

هي مسيّرة MK المعروفة بـ"أم كامل" التي لا ينقطع طنينها أثناء روحاتها وجيئاتها في سماء لبنان وفوق سيادته. ولا نعرف تماماً إذا كانت تظل تطير 24/24 ساعة، لأنّنا نغفو. ننام من شدّة وهننا بسبب أزماتنا وعجزنا، فلا نعود نسمعها. وباكراً في صباح اليوم التالي، تستأنف آذاننا التقاط طنينها الذي تقهر تردّداته ضوضاء النهار.

استياؤنا من صوتها الثاقب شحذ خيالنا في البحث عن أي طريقة لتلبية رغبتنا في أن يكف. وفي إقدام ساخر على مواجهة تلك المسيّرة، حملت شادن، فنانة الستاند أبْ كوميدي، قارورة مبيد الحشرات "بيف باف". فتحت النافذة بعصبية. رشقت رشقات من الرذاذ في الجو تكفي، بتقديرها التهكّمي، لإسقاط تلك "البعوضة". ولم تنسَ دعم مفعول المبيد بالشتائم والسباب. ثم أغلقت النافذة وعادت لتنام.

أعادتنا شادن في تلك اللقطة، الطريفةِ مثلها، إلى لقطة شبيهة لثوار سوريين في 2013، حين سمح الرئيس الأميركي، آنذاك، باراك أوباما بدعم "معارضي نظام الأسد" بأسلحة "غير فتّاكة". وكانت عبارة عن معدات للوقاية من الأسلحة الكيماوية (لم يعد مهمّاً أن تكون وصلتهم أم لا). وهو الأمر الذي حمل شباب ثوّار إلى ارتجال فيديو ساخر داخل محل للحلاقة، يَستخدم فيه الحلاّق سلاحه غير الفتّاك، وهو عبارة عن مشط وقارورة مثبّت الشعر: يخرج من محلّه عند سماعه دوياً، ليردّ على مصدره برش مثبّت الشعر في اتجّاهه، ثم بالمشط يُذَرّي الرذاذ العالق في الجو... فيقهقه الشباب.

الرذاذ هو وسيلتنا الوحيدة، على ما يبدو، لمواجهة آلات الفتك والقتل على أنواعها وأشكالها، وهي: درُونات، نوّاب، التفافات، خيانات، دبابات، وزراء، معارضات، أسلمة، طوائف، جهل، ولاءات، أحزاب، اعتقالات، طائرات، سجن، تكفير، كهرباء، قمع، تصفيات، دول، تخوين، براميل، زعماء، اختطاف، شرذمة، إعدامات، سفارات...

غير أن إسقاط المسيّرة "أم كامل"، ولو فقط بنيّة إسكات طنينها المزعج، ينطوي على إشكالية كبرى. فاللبناني تعوّد على أن يتعوّد على مشاكله ويساكنها. لمّا سئل رياض سلامة عن تأثير ارتفاع الدولار على الأسعار، سمحت له عجرفته أن يقول: "سوف يتعوّد الناس على الغلاء". أهاننا في الصميم، ومع ذلك تجمّدت معركة إسقاطه.

لكنْ، لو أراد اللبناني اتخاذ موقف حاسم من هذه المسيّرة، فإلى من يلجأ؟
إلى حزب الله؟ الحزب واضح في خطة مواجهته إسرائيل، ويلخّصها في "تحديد المكان والزمان المناسبين"، على رغم إعلانه في آب/أغسطس 2019، أنه لن يسمح بتحليق مسيّرات العدوّ إثر إسقاطه مسيرتين في الضاحية الجنوبية. وقد لا تسمح له الظروف، هذه المرة، بـ"تسديد ضربة مدروسة إلى إسرائيل لا تشعل حرباً"، كما درج سماعه في ذلك الصيف.

أم يلجأ اللبناني إلى جيشه؟ لعلّ الجيش سيُحرج لأسباب داخلية وخارجية... فعملية كهذه تنطوي على مخاطر كبيرة يصعب احتساب عواقبها وتحمّلها. ثم من سيدعمه في إقدام كهذا؟ الشعب؟

أم أن اللبنانيين سينتظرون أحدهم، بلغ انزعاجه من المسيّرة، الزُبى، ليبادر إلى إسقاطها برشاش (الأفضل أن يكون ثقيلاً)، مثلما فعل الفلاح علي عبيد منقاش الذي قيل أنه أسقط مروحية أباتشي أميركية، إبّان غزو العراق في 2003، ببندقية قديمة.

تبيّن لاحقاً أن منقاش لم يُسقطها، "كانت جاثمة في حقلي"، كم اعترف لوسائل إعلامية أخرى. ولم يقبض أي مكافأة، لكن عناصر أمنية طلبت منه أن يدّعي عمله البطولي. فاختلطت علينا حقيقة منقاش بين خيبة وبطولة مزعومة. ولو خُيّرنا بينهما لفضّلنا التمسّك بالزعم فقط من أجل استجماع قوتنا لكي نُسكت "أم كامل"... حتى ولو اضطررنا لاحقاً إلى قول إنه عمل فردي لتبديد ذيول الحادثة، والإلقاء باللوم على "طانيسا" (بطل النِكات التي تُرمى فيها كل المهمات على شخص واحد، مثل حُدَيْدان).

هي مشكلتنا في الانتظار، انتظار بعضنا بحذر وشروط كثيرة ومعقّدة تسبق أي تحرّك. دائماً، نترقّب المبادِر لنلحق به "امشِ ونحن من خلفك". وفي نظامنا، غالباً ما يكون المبادِر هو الخصم الفعلي الذي يقتات علينا: الزعيم، الحزب، الطائفة، أو المؤسسة.

وإذا كانت مسألة "أم كامل" وإسقاطها مطروحة من قبيل الباروديا لأمرٍ بات يقضّ مضاجعنا فعلاً، هل تساءلنا يوماً عن حقيقة تصرّفنا حيال حفرة في الطريق، عند مدخل القرية، مثلاً. في العادة، نتفادها ونحن نطلق شتيمة بلهاء، متسائلين "وينيّة الدولة؟". ثم نتعوّد على تفاديها مهما بلغ اتّساعها وعمقها.

أحياناً، تكون البلدية هي المسؤولة عن مشكلة تافهة كهذه، قياساً على مشكلة "أم كامل". أو، تكون الجهة التي يمكنها أن تسعى لحلّها... آه، هينة! ومع ذلك لن يكون ردمها بالأمر اليسير. فإذا كان المطالِبون بردمها من مناوئي رئيس البلدية، ينبري لهم مناصروه ليدافعوا عنه بشراسة تصل إلى درجة نفي وجود حفرة.

ويبقى الأمر على حاله، حتى يأتي نائب من نواب المنطقة - وهؤلاء يعملون كل أربع سنوات عند اقتراب موعد الانتخابات – نائبٌ يكون رئيس البلدية من قطيع أغنامه ويردم الحفرة. فتعمّ الفرحة أهالي القرية، وتنفرج سياراتهم من أوجاع مفاصلها. وتشعّ أسنان رئيس البلدية في وجوه مريديه وحسّاده.

أحياناً أخرى، يبادِر أحدهم، من الميسورين قليلاً أو من أصحاب النخوة، ويعمل على ردمها. لكنّ ما يخفى على بعضنا هو أن صنيع هذا الرجل يؤجّج الشكوك في صدور الأهالي الذين يظنّون أن نواياه خبيثة لأن "عينه على البلدية"، وإلاّ لما كان فعل هذا الجميل.
... هذا ما نحن عليه في الواقع، وقسْ على ذلك في كل ما يحصل عندنا، في السياسة والاقتصاد والاجتماع، منذ 30 سنة على الأقل.

لكنْ... لا بد من وجود طريقة مفيدة لإسكات البعوضة "أم كامل" أو كشّها، لا تسبّب حرَجاً أو حرباً. وقد يكون الحل في توسّل "حق الملكية الفكرية" كسلاح للمواجهة. وفي تفاصيل الحل، أن المسيّرة تلتقط صوراً لنا، نحن المقيمين في لبنان، أثناء سعينا اليومي. وهذا يعني أن المسيّرة لا تخترق السيادة وحسب، بل أيضاً الخصوصية. كما يعني أننا نحن الجهة التي تنتج المحتوى الذي تصوّره المسيّرة، وتالياً نحن المالِكون وأصاحب الحق.

وقيمة هذا المحتوى، الذي أصبح وفيراً بلا شك لدى استخبارات العدو، هو أنه يتشكّل بالارتجال، في هذه الأيام المريرة. والارتجال، في العمل المسرحي، يُعتبر المسودّة الدسِمة التي تفضي إلى عرض مكتمل. وقيمته تضاهي قمية المخطوطات التي يخلّفها أدباء ومفكّرون وتباع في المزادات.

أكثر من ذلك، ارتجالنا يرتدي أهمية الأسرار الصناعية. فنحن نرتجل التكسّب مع بلوغنا قعر الفقر. نسترق عناقاً وقُبلاً في أيام التباعد الاجتماعي. ننبش السرور من بطن الخوف. نُبدع. نتحايل على الأمل لكي يبقى مقيماً بيننا. نبتكر. نتفادى الحُفر. ندّعي رباطة الجأش في مواجهة أسعار السلع. نهيم بعد موعد حظر التجوّل. نرفع أعيننا نحو السماء. نزرع البذور في أثلام مستقيمة. نتّفق ونختلف ونحاول أن نثور...

لسنا وحدنا في ذلك. كل الشعوب المقهورة تتوسل الارتجال للنجاة. في الهند، اسمه "جوغاد" jugaad، وينطوي معناه على الإبتكار بما تيسّر. في الارتجال، إذاً، سرّ البقاء. قوتنا في أسرار بقائنا وهي التي ينبغي لنا حجبها عن الأعداء.

هل من سابقة اعتَبر فيها شعب حياته اليومية إبداعاً يخضع لقوانين الملكية الفكرية وحقوق النشر؟ وعليه، هل نطالب إسرائيل بتعويضات عن حقوق ملكيتنا الفكرية للمحتوى الذي ننتجه نحن وهي تسرقه؟ المحتوى فقط هذه المرة. هل هذا ممكن؟ وفقاً لمراجع قانونية عدّة السيادة والدستور يكفلان حقوق الملكية الفكرية. وانتهاك السيادة يتضمّن خرق الملكية الفكرية. فهل يمكن بناء دعوى على ذلك؟
غَوْغِلُوها... لعلّ وعسى! أسرار بقائنا في خطر...

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020