هل استعادت الدراما السورية مكانتها فعلاً؟

وليد بركسية

الجمعة 31/05/2019
عند قراءة التصريحات والتعليقات التي يكررها ممثلون وفنيون و"نقاد"، وتقول إن "الدراما السورية استعادت مكانتها" عطفاً على الإنتاج الدرامي للعام 2019، لا يمكن سوى الشعور بالدهشة، وكأن أولئك المعلقين يتابعون دراما مختلفة عما تعرضه الشاشات العربية، من مسلسلات تحتوي قدراً لا يصدق من الرداءة الفنية والملل، بغض النظر عن محتواها السياسي.


وفيما كان يتم إرجاع فشل الدراما السورية إلى ظروف الحرب في البلاد، والقول إن الصمود الذي تظهره تلك الصناعة يستوجب التقدير مهما كانت النتيجة، فإن تلك المقولة تختفي في الموسم الحالي، بالقول أنه يجب على الجمهور تقدير المسلسلات السورية لأنها أولاً تجاوزت الظروف الصعبة كلياً، ثم باتت تقدم الواقع السياسي والاجتماعي مثلما كانت تفعل قبل العام 2011، ويصبح ذلك المحتوى السياسي/الثقافي/الاجتماعي، تبريراً جاهزاً للمستوى الفني الذي تظهر به تلك الأعمال، وكأن مهمتها هي توثيق نسخة أصحابها من الواقع، وهي نسخ مشوهة حكماً، بالنظر لأساليب الإنتاج والرقابة المتعارف عليها في دولية شمولية مثل سوريا الأسد، ازدادت تشدداً في هذا المجال بعد الثورة السورية وتبعاتها.

يمكن تلمس ذلك بوضوح في حالتي مسلسلي "ترجمان الأشواق" و"دقيقة صمت"، فالمسلسل الأول الذي أخرجه محمد عبد العزيز وكتبه بالشراكة مع بشار عباس، مُنع من العرض لعامين متتالين رغم أنه من إنتاج المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي، وهي مؤسسة رسمية، وتمت إضافة بعض اللقطات إليه قبل السماح بعرضه من أجل تحقيق توازن سياسي فيه بعد التسويق له كعمل "معارض"، رغم أن العمل بحد ذاته يستحق تكريماً من هيئات النظام الثقافية، لأن نسخته من الواقع تطابق إلى حد مدهش نسخة النظام التي تكررها نشراته الأخبارية وخطابات رئيسه بشار الأسد.




أما المسلسل الثاني الذي كتبه سامر رضوان وأخرجه شوقي الماجري، فتم الترويج له على أنه إنتاج جريء سمحت به الرقابة السورية، قبل أن تتبرأ منه في بيان كوميدي، بعد ظهور رضوان في تصرحيات جدلية قال فيها أن المسلسل "ضد النظام"، رغم أن متابعته، وهي مهمة مرهقة بحد ذاتها، تعطي الانطباع المعاكس تماماً. ومن جديد تصبح سردية التوثيق والمحتوى السياسي على لسان أصحابه، رضوان تحديداً، تبريراً استباقياً ضد أي تعليق يستهدف المسلسل فنياً، وإن كان التوثيق المفترض هنا خاصاً بفساد السلطة الحاكمة، والتي يتم التملص منها لاحقاً في تصريحات حول الانتماء لوطن واحد والمعارضة الشريفة، وتحويل الخلاف السياسي الذي يجب أن يكون موجوداً في البلاد إلى خلاف حول الأداء الحكومي فقط.

هذه السردية بشقيها تتكرر في بقية الأعمال السورية من "مسافة أمان" الذي تنتجه شركات إنتاج مقربة من النظام إلى "ناس من ورق" الذي تنتجه المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي وصولاً إلى "عندما تشيخ الذئاب" من إنتاج تلفزيون "أبوظبي"، علماً أن هذه السردية قديمة وتعود لما قبل العام 2011، مع تحويل الدراما التلفزيونية في البلاد من منتج مسلٍ إلى منتج ثقافي شبه وحيد في البلاد، وتكريس صناع الدراما كمفكرين وصحافيين وموثقين وباحثين وناقلين لواقع الناس، رغم أنه لا يفترض بهم لعب تلك الأدوار أصلاً، بل فقط تقديم قصص مقنعة، حول حياة الناس أو حياة الفضائيين، لا يهم. وهو بالتحديد ما تم تحييده بشكل عام طوال السنين، لأن القصة/الدراما لدى صناع الدراما والمشرفين عليها، هي الوسيلة فقط وليست الهدف من كل العمل الفني.



ويجدر القول أن هذا العامل بالتحديد هو السبب الأساسي في الشعور الدائم بوجود التلقين عند مشاهدة المسلسلات السورية، وهو المبرر لوجود نمط الشخصيات التي لا تفعل شيئاً ضمن القصة سوى التعليق على الأحداث التي يقوم بها الأبطال من أجل تقديم "العبرة" و"الخلاصة الفكرية" وتوجيه فكر المشاهد نحو اتجاه معين، سواء كانت الشخصية راوية للأحداث (شكران مرتجى) كما هو الحال في مسلسل مسافة أمان (2019) أو شخصية ثانوية مثل تامر (غزوان الصفدي) في مسلسل يفترض أنه جيد مثل "زمن العار" (2009).

ومنذ انطلاقة الثورة السورية، عانت الدراما السورية من انتكاسة واضحة، لا تعود فقط إلى تشرذم صناعها بسبب ظروف الحرب في البلاد وانقسامهم وفق مواقفهم السياسية تجاه النظام، ولا إلى انسحاب رأس المال الخليجي الذي موّل تلك الصناعة طوال عقود، بل بشكل أساسي لإدراك المشاهدين أن تلك الدراما عموماً ليست إلا منتجاً كان يستخدم لنشر أنماط اجتماعية وأفكار سياسية وثقافية، بطريقة غير مباشرة، إضافة لعامل المقارنة مع الإنتاجات العالمية والعربية المتفوقة من الناحية الجمالية والفنية والتمثيلية أيضاً، بداية بالمسلسلات التركية والمسلسلات العربية المشتركة وصولاً لإنتاجات "نتفليكس" التي شكلت لدى البعض مجالاً أوسع للمقارنة.

لا يتعلق الأمر بالطبع بضخامة الإنتاج المادي، وهو الرد الجاهز الذي يكرره صناع الدراما السورية عند سؤالهم عن هذه النقطة، فهناك آلاف الإنتاجات العالمية البسيطة وذات الميزانية المحدودة، على سبيل المثال لا يمكن القول أن سلسلة مثل "فريندز" (1994 – 2004) تحتاج إلى إنتاج ضخم، وتحديداً في المواسم الأولى التي لم تشهد أجوراً خيالية لنجومها مع تحول السلسلة إلى ظاهرة عالمية، عطفاً على بساطتها: حياة 6 أصدقاء يقضون معظم وقتهم في مقهى صغير، من أجل تقديم التسلية، وهو الغرض الأول من الدراما التلفزيونية.

في سوريا يختفي ذلك المعيار، لأن ما يجب تقديمه هو الأنماط الاجتماعية المطلوب اتباعها والمواعظ السياسية والنشرات الثقافية والاستعلاء الفكري. على سبيل المثال، تعرض قناة "لنا بلس" الموالية للنظام مسلسل "الفصول الأربعة، كنموذج للدراما السورية الجيدة والتي باتت مسلسلات العام 2019 تقاربها من ناحية الجودة. علماً أن المسلسل يحظى بشعبية واسعة عموماً، لأنه يقدم "حياة العائلة السورية البسيطة". لكنه قد لا يستحق كل المديح الذي يكال له، عطفاً على كمية الثغرات التي لا يمكن تصديق وجودها في "مسلسل جيد".



وبعد عشرين عاماً من عرضه الأول، يبدو المسلسل بجزئيه باهتاً وثقيل الظل، وهما صفتان لا يمكن أن تتواجدا في أي عمل كلاسيكي. وتبرز ثغرات السيناريو والخلل في بناء الشخصيات كمحددات لتلك الرداءة. وتحديداً عدم امتلاك الشخصيات لصفات ثابتة، بقدر تغيير ماضيها وعالمها النفسي بناء على موضوع كل حلقة على حدة مع الاحتفاظ بنمطها الاجتماعي وفق محددات اقتصادية بحتة.

مثلاً لا يمكن الحكم إن كانت شخصية مايا (رباب كنعان) تحب الكذب والخداع لأنها فتاة ثرية مدللة أم أنها فتاة مجتهدة في دراستها لكنها تعاني من عقدة غياب والدتها المنشغلة بنفسها عنها، والأمر نفسه يتعلق بشخصيتي شادية وبرهوم (ليلى جبر وأندريه سكاف) فأحياناً يتم تقديمهما كفاشلين لم ينجحا في امتحانات الثانوية العامة لثلاث سنوات قبل زواجهما وأحياناً يتم تقديمهما كخريجي كليتي الفنون الجميلة والأدب العربي على التوالي وأن الظروف تعاكسهما فقط. وينسحب ذلك على بقية الشخصيات في العمل، ما يخلق نوعاً من التشويش.

التلقين طبعاً يتواجد في العمل عبر الشخصيات "المثقفة، وتحديداً المحامي عادل (جمال سليمان) والباحثة الاجتماعية ناديا (يارا صبري)، اللذان يُقحمان للتعليق على الأحداث من أجل تحديد النمط الاجتماعي/السياسي/الثقافي الصحيح للمتابع، ويظهر ذلك في تخصيص حلقة كاملة عن عادل في رباعية الأقنعة، أشهر لوحات المسلسل على الإطلاق، بشكل قطع تسلسل الأحداث التي تمحورت حول قصة الحب الأبرز في العمل بين سوسو (ديمة بياعة) ومازن (رامي حنا)، وإن كانت علاقة من طرف واحد، والتي تنتهي بنهاية الرباعية، ولا يتم ذكرها لاحقاً على الإطلاق، وكأن الأحداث لا تؤثر في مستقبل الشخصيات وحياتها. 

يضاف إلى ذلك العدد الكبير من الحلقات المكرسة للتنظير السياسي كحلقة شديدة السوء من بطولة الضيف دريد لحام على سبيل المثال. والمذهل أن تعليقات المعجبين في مواقع التواصل الاجتماعي قد تشير إلى ذلك الخلل الدرامي، لأن الإعجاب ينحصر بشخصيات محددة في العمل والتي تدور حولها القصص الأهم، كنجيب (بسام كوسا) ومَجدة (مها المصري) وجميلة (هالة شوكت)، بالإضافة للإعجاب بالجو العائلي الكلاسيكي الذي يمكن التماهي معه بطريقة أو بأخرى، وإن لم يكن نمط الحياة الوحيد الذي يوصف بأنه صحي وجيد ومناسب، لجميع الناس.

في ضوء ذلك، يجدر القول أنه إذا كان المقصود من الحديث اليوم عن عودة الدراما السورية إلى ألقها، هو العودة لإنتاجات مشابهة لـ"الفصول الأربعة"، فإن ذلك صحيح جزئياً، لأن الدراما السورية لم تبتعد كثيراً عن ذلك النمط سوى في الأسماء التي ابتعدت عن العمل الفني بعد العام 2011، وتحديداً من الممثلين. ويصبح الخلاف بالتالي متمحوراً حول مستوى تلك الإنتاجات القديمة، وفكرة "جودة الدراما السورية" من الأساس، وهو أمر لن يناقشه صناع الدراما لأنه يهز أساس مهنتهم التي تشكل مصدر رزقهم و"بريستيجهم" ومكانتهم في وسط يصفونه دائماً في مقابلاتهم بأنه فاسد، ومن هنا يأتي النفاق ومعه الشعور الحتمي بالازدراء.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019