ربى الحجلي التي انتصرت على وزيرين معاً!

وليد بركسية

الثلاثاء 12/10/2021
في غضون 4 ساعات فقط، لم تثبت وزارة الإعلام السورية مقدار الخشبية والتعفن الإداري في الإعلام الرسمي داخل البلاد فقط، بل أوضحت أيضاً، من دون أن تترك مساحة للشك، مقدار التبعية الهائلة التي تعانيها وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية، لقرارات سياسية، من شخصيات عليا في النظام يتفوق نفوذها على السلطات الإدارية والتنفيذية ضمن الوزارات السورية عموماً.

الحديث هنا يتعلق بالمذيعة في قناة "الإخبارية السورية" ربا الحجلي، التي أعلنت تركها العمل في القناة الرسمية، بعد سنوات من التشبيح والتطبيل للنظام، بما في ذلك الشتائم التي أطلقتها بحق وفد المعارضة المشارك في مؤتمر "جنيف 6" للسلام في البلاد العام 2017، ما استدعى طردها من مقر الأمم المتحدة وسحب بطاقة التصريح الإعلامية الخاصة بها. لتعلن بعد 4 ساعات فقط أن المشكلة حلت وأنها ستقدم نشرة الأخبار مساء الثلاثاء.

وفيما قالت الحجلي في منشور طويل عبر صفحتها الرسمية في "فايسبوك" أنها "قررت" أن تغادر، كانت المعلومات المتداولة في الصفحات الموالية، بما في ذلك لصحافيين وعاملين في الإعلام الرسمي، تشير إلى وجود قرار بفصلها من العمل، بعد أسبوع من مقابلة مثيرة للجدل أجرتها مع العضو السابق في مجلس الشعب فارس الشهابي، تحدث فيها مجدداً عن قضية التعفيش في حلب وهجرة الصناعيين من البلاد وهما موضوعان حساسان للنظام، لأن الأول مرتبط بنفوذ الفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، والثاني بات حديث الشارع السوري الموالي لدرجة أقلقت النظام واتبع معها سياسة النفي التام لوجود "هجرة" من البلاد.



على أن الموضوعين لا يستحقان الطرد والتأديب مثلما كان الحال مع المذيعة الأخرى هالة الجرف التي خالف خطاب السلطة نفسها بانتقادها الأوضاع المعيشية في البلاد، ما كان سبباً في اعتقالها مطلع العام. كما أن القضية اليوم تتعلق الأمر بواحدة من أشهر إعلاميات النظام في السنوات العشر الأخيرة، مع تصدرها المشهد الإعلامي في كل الأحداث الكبرى بما في ذلك مفاوضات جنيف أو الاعتراف الأميركي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، وغيرها. ومع برامجها الخاصة بـ"ملاحقة الفساد" و"طرح قضايا المواطن" استطاعت الحجلي تحويل نفسها إلى "بطلة وطنية" لدى الشارع الموالي، الذي مازال يتابع الإعلام الرسمي في حال توافرت له الكهرباء، حيث يشكل التشبيح وغياب الأخلاق المهنية بالنسبة إلى ذلك الجمهور، سبباً لنيل الإعجاب في الواقع.

وفيما سحبت "الإخبارية" اللقاء المذكور مع الشهابي، فإن الموضوع حصل بحذافيره العام 2019 عندما أجرت الحجلي لقاء مع الشهابي في برنامجها "فن الممكن" للحديث عن التعفيش في حلب، قبل أن يسمي قادة مليشيات ممن يفرضون الأتاوات على التجار والصناعيين والمدنيين، من بينهم "أبو علي خضر" المقرب من أسماء الأسد. وبالطبع لم يتم فصل الحجلي حينها مثلما حصل اليوم. كما نفى الشهابي في منشور عبر صفحته الشخصية في "فايسبوك" أن تكون تصريحاته عن التعفيش سبباً لفصل الإعلامية، بقدر ما يعود الأمر لانتقادات وجهها الاثنان لوزارة الاقتصاد.

فإلى جانب تصريحات الشهابي بحق الوزارة، كانت الحجلي اتهمت وزير الاقتصاد محمد سامر الخليل، في الأسبوع نفسه، بأنه يرفض الظهور على الإعلام الوطني. وكتب زميل الحجلي في "الإخبارية" حسين فياض: "ربى الحجلي تعود غداً الى الاخبارية السورية.. بعد رفع الظلم الذي حصل بحقها بعد ضغط مورس من جهة وزارة الاقتصاد واستجابت له وزارة الاعلام"، ما يؤكد نظرية طردها من عملها، لا تركها له بإرادتها الشخصية.

وبينما يبدو للوهلة الأولى أن النظام السوري يقمع نفسه بنفسه لأنه لم يجد أحداً يقمعه، فإن قراءة سريعة لنشاط الحجلي الطويل في الإعلام الرسمي وولائها التام للنظام سياسياً، تجعل الأمر أكبر من مجرد عقوبة لمخالفة قوانين الإعلام في البلاد، وهي قوانين غير موجودة تقنياً وتنحصر في الولاء للنظام ورموزه، وتحيل بالتالي إلى الولاءات والصراعات بين المسؤولين والأجنحة المختلفة، تماماً مثلما كان الحال عندما فصل وزير الإعلام السابق محمد رامز ترجمان، عماد سارة، من إدارة الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون العام 2017 لساعات قبل أن تتم إعادته لمنصبه بأوامر من جهات عليا.

المختلف بين الحادثتين هو حجم التأثير، لأن المستشارة الإعلامية في القصر الجمهوري لونا الشبل، تدخلت لصالح سارة الذي عين بعد أشهر قليلة حينها وزيراً للإعلام. أما قضية الحجلي فمرتبطة بضغوط على مستوى الوزارات لا أكثر، لكن كمية الدراما التي زخرت بها الصفحات الموالية والتي يديرها موظفون في وزارة الإعلام، ترتبط إلى حد كبير بولاءات أصغر ظهرت بوضوح بعد إقالة سارة من منصبه على رأس الوزارة في آب/أغسطس الماضي، بشكل حملة تخوين بحق الإعلاميين الموالين الذين فرحوا بتعيين بطرس حلاق في المنصب.

وليس واضحاً حتى اللحظة ما هو النفوذ الذي يحظى به الوزير الجديد حلاق أو الشخصيات التي تدعمه، وتبدو سيرته المهنية مقتصرة على عمله الأكاديمي في جامعة دمشق حيث يدرس عدداً من المقررات في كلية الإعلام التي تقلد عمادتها لأربع سنوات، لكن ذلك النفوذ يبقى بلا شك أقل من الدعم الذي تمتلكه الحجلي الذي انتصرت في 4 ساعات فقط على وزيرين كاملين، وستعود لتتحف الجمهور المحلي بالتشبيح الفاقع إلى حد الكوميديا.

على أن قضية الحجلي، التي كانت من مودّعي سارة بالصور والدموع، قبل أشهر، تحولت إلى منطلق لتصويب السهام على الوزير حلاق بوصفه غير قادر على تمييز الشخصيات الوطنية، وهي تهمة تتجاوز فكرة التخبط الإداري الذي أظهره في إدارة الأزمة، كونها تأخذ الموضوع إلى جانب سياسي مرتبط بالولاء للنظام السوري نفسه، علماً أن الوزير بقي طوال الأشهر الماضية في الظل ولم يكن حاضراً في النقاشات العامة مقارنة بسلفه سارة الذي كان دائم الحضور، أو بوزير التجارة الداخلية الحالي عمرو سالم الذي بات النجم الوزاري في السوشال ميديا السورية.

والمثير للاهتمام هنا هو الحساسية التي يظهرها العاملون في الإعلام الرسمية، وتجلّت في اللغة العاطفية التي أعلنت بها الحجلي انفصالها عن "الإخبارية" بعد كل ما قدمته لـ"الإعلام الوطني" وكأنها كانت تنتظر الشكر والجزاء، وصولاً لحملة تضامن معها في "فايسبوك" زخرت باللغة نفسها التي باتت نمطاً عاماً لدى إعلاميي النظام، يرفضون بموجبها أي انتقاد ويصورون أنفسهم كضحايا لمُغرضين وإعلاميين مأجورين وسياسيين فاسدين، لأسباب سياسية أو لأسباب شخصية.

يرجع هذا إلى أن العاملين في الإعلام الرسمي يعتقدون أنهم يقومون بعملهم على أكمل وجه، ما يؤهلهم لنيل الاحترام. وذلك صحيح تقنياً، فهم يمارسون الدور الدعائي المطلوب منهم، وفق معنى ومحددات الإعلام في دولة شمولية وسلطوية مثل سوريا الأسد. لكن هذا الدور لا يلقى الصدى المطلوب لدى الموالين أنفسهم، على المستوى الشعبي، كما أنه يصطدم بكثير من العقبات ضمن السيستم نفسه، بسبب كثرة الخطوط الحُمر والولاءات الشخصية، ما يخلق على الأغلب، موقفاً دفاعياً متشنجاً، ورافضاً لأي انتقاد، ويصبح أكثر دراماتيكية عندما يتعلق بقرارات فصل أو عقوبات تأديبية.

يظهر ذلك في مجمله معنى الحياة في دولة شمولية مثل سوريا الأسد، وكيف تدير السلطة أجهزتها الرسمية، إعلامية كانت أم غير إعلامية، وكيف تصبح حياة الأفراد مهما كانت درجة ولائهم للنظام كبيرة، مرتبطة بشخصيات نافذة ما يتطلب الحصول على سند وتشكيل علاقات شخصية من أجل الاستمرار في ممارسة المهام اليومية. ويتضخم ذلك في مجال الإعلام بسبب طبيعته العلنية. وتأتي مثل هذه الحوادث، من حين إلى آخر، لتذكر الإعلاميين الموالين بأنهم قابلون للاستبدال ببساطة حتى لو اعتقدوا بسذاجة أنهم "الناقل للخطاب الوطني والسياسي السوري بكل فخر"، وأن أي انتقاد لهم هو جزء من الحرب على "الدولة السورية".
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021