"لا تقلق.. كورونا يقتل كبار السنّ فقط"

أحمد الحاج علي

الجمعة 27/03/2020
قسوة العبارة أعادتني 35 عاماً إلى الوراء، يوم كانت الحرب تقتلع أرواحنا المحاصرة داخل كيلومتر مربع واحد. كنا أحياناً لا نكترث لموت كبير في السن، ومعظم الأحيان نُطلق النكات في ما يشبه الابتهاج بموتهم. لم أكن أعرف سرّ تلك الفرحة وأسبابها. ربما لشعور بأننا لسنا وحدنا كفتيان على مسرح الموت. أو أن الموت، الذي نخافه كجزء من طبيعتنا الإنسانية التي حاولنا إخفاءها بشعارات تمجّد البطولة، دونه حواجز عمرية، كما أردنا أن نصدّق.

الحرب، بأحد أشكالها، إعلان عن تراجع حضور الإنسانية، في أقل تقدير، فلم تكن الأسئلة ملحة حول قيمة المسنيّن كبشر، ولا عن شعور محبّين عاشوا وتعلّقوا بهم. تعاملنا معهم كأنهم كائنات بيولوجية لا يصح الحديث، حين ذكرهم، عن أبعاد نفسية وعاطفية. وأي سؤال أخلاقي هو نقيض مباشر لاستمرار الحرب و"ضرب لمعنويات الشباب".

الشباب الذي كان يمثّل الأمل في الانتصار، كان موت واحد منه، يصيب المحاصَرين بانتكاسة معنوية، ويعيد طرح الأسئلة. بينما موت كبير في السنّ يؤخرها، طالما أن الجميع متساوون أمام الموت. بل في الشعور العميق، كان مخبأ حديث عن أن موت الكبار، حاجز أمام وصول الموت إلى الأصغر سناً. وأن برحيلهم، يأخذ الموت حصته اليومية المفترضة من المحاصرين. فالمعمِّرون يؤدّون وظيفة انتحارية فدائية، من دون أن تصنع منهم أبطالاً كما صنعت بشباب رحلوا، لأن كبار السن يفعلونها رغماً عنهم، وهم ليسوا أقوياء جسدياً كما صورة الأبطال في مخيلتنا.

ما كنا نقوله في الشارع قبل 35 عاماً، خلال الحرب، أصبحت تردده وسائل الإعلام في زمن كورونا، بخطاب شبه مباشر، بأن على الجمهور ألا يقلق، فالموت، من جرّاء كورونا، يُصيب كبار السن وبعض المرضى فقط! خطاب يتبنى بشكل غير مباشر بعض أفكار الحرب، بل وجوهر الخطاب النازي بتمجيد القوة الجسمانية. استخفاف بمئات الملايين من كبار السنّ الذين يستمعون على مدار الساعة لقنوات لا تملك أي حساسية أخلاقية تجاه فئة تعيش مرارة الشيخوخة وتراجع دورها الاجتماعي.

يتلقى المسنون اليوم اللكمات الإعلامية، التي تسبب الانكسار الوجداني، في عالم يستهويه حديث الأرقام الاقتصادية أكثر من الحديث عن فقدان فئة اجتماعية الروابط العاطفية مع فئات أخرى، وتقلقه فاتورة مصاريف الصحة، أكثر من جودة الصحة نفسها. وهو ما دفع إلى التعامل مع المسنين كعبء اقتصادي، ويظهر ذلك حين يخوضون معارك حول سنّ التقاعد، أو البحث عن الكلفة المادية لتمريضهم، وزادت في تلك الكلفة سنوات العمر الإضافية التي كفلها تقدّم الطب. وجاء مرض كورونا ليظهر أن التعامل مع هذه الفئة العمرية يترسّخ على أساس أنها أجساد مريضة، كأنهم ليسوا بشراً لهم حساسيتهم من خطاب الكراهية المتواري خلف أرقام جامدة.

العالم الذي كان بحاجة لحكمتهم في الماضي، صار يتحدّث عن تمكين الشباب ودورهم في التعامل مع التقانة خصوصاً. حتى دور المسنّ كراوٍ للقصص، لم يدعه "غوغل" يهنأ به. والظواهر اختلّت، فبعدما كانت ظاهرة تكبير العمر، كما يقول علماء الديموغرافيا، صارت هناك ظاهرة تصغير العمر. سيتركهم العالم ليعيشوا مرارة الشيخوخة، والخوف الدائم من التخلي فيما هم يكتشفون وَهْم الخلود الدنيوي، ويستعدون للمواجهة الأخيرة.

فيما نخوض معاركنا ضد كورونا، يجب ألا نرسب في اختبار أخلاقي، لنكتشف أننا بحاجة إلى العلاج ضد التمييز الذي أصاب، هذه المرة، فئة قد لا تملك الكثير من أدوات المقاومة، لكن علينا أن نُصدّق تولستوي بأن التقدم الأخلاقي للإنسانية ندين به لكبار السن. كورونا ليس مرضاً قاتلاً، بالعموم، لكن التمييز قاتل، كما تُخبر حكايات كثيرة. في النهاية يغلبني السؤال: لو لم أكن في عقدي الخامس هل كنتُ كتبت هذا المقال؟
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020