ايجارات خيالية لشقق بيروت: حرب طبقية إفتراضية

يارا نحلة

الأحد 14/06/2020
من عواقب الأزمة الإقتصادية التي يعيشها لبنان اليوم، إنفجار فقاعة السوق العقارية وإنخفاض أسعارها من قمّة غرور أصحاب الملك إلى أسفل قدرات المستأجرين الباحثين عن مأوى. 

إلا أن من أصحاب الأملاك والشقق، لا سيّما في بيروت، من يرفض هذا الواقع المشؤوم، ويصرّ على إستغلال الأزمة والحفاظ على قيمة شقته بالدولار الأميركي الذي أضحى شبه معدوم في يد المواطن العادي. وهذا ما أشعل، في الأيام الأخيرة، حرباً في مواقع التواصل الإجتماعي، وخصوصاً صفحات فايسبوك المعدّة لعرض شقق للإيجار، بين أصحاب الملك والمستأجرين.

هذه الحرب الإفتراضية، وقوامها الميمز والنقاشات الفايسبوكية، لم تولد فجأةً، بل جاءت نتيجة تبايناتٍ حادّة أخذت ملامحها تتضح أكثر فأكثر حتى تحوّلت إلى شرخٍ تامّ بين فئتين من الناس؛ واحدة تملك إمتيازات وأخرى مجرّدة منها. ليست الفروقات الطبقية شيئاً جديداً، لكن اللافت هو إنتقال النقاش حولها إلى مجموعات وصفحات إفتراضية معدّة للبيع والشراء، وطرحه إشكاليات مهمة مثل الحق في السكن وتفوقه على الحقّ في الاستثمار.
والواقع أن الأسعار المرتفعة وأحياناً الخيالية للشقق لم تكن يوماً بالأمر الشاذّ بالنسبة لهذه الصفحات، وذلك بسبب الإرتفاع غير المنطقي لأسعار العقارات في لبنان عامةً. لكن المفارقة اليوم هي أن المستهلك لم يعد يقبل بهذه الأرقام المستفزة والمهينة بحق شعبٍ يعاني. ومن الأمثلة على الإعلانات التي أثارت إستفزاز المستأجرين إعلان لشقق في بيروت بإيجار شهري يساوي 12 مليون ليرة، وآخر لشقة بايجار سنوي يعادل 120 مليون ليرة. 
لا شكّ بأن أرقاماً من هذا النوع، تعادل عشرات أضعاف الحدّ الأدنى للأجور، وقد أثارت حنق الكثيرين من أعضاء المجموعة الذين يتقاضون نصف راتب أو لا يتعدّى راتبهم الحدّ الأدنى للأجور. وبينما كانت إعلانات من هذا النوع تمرّ على هذه الصفحات مرور الكرام، أضحت اليوم فريسة لكل مستأجر يبحث عن فرصة للتنفيس والإنتقام من منظومة غير عادلة تحرمه أبسط حقوقه كالسكن. 

هذا الإنتقام جاء على شكل سيلٍ من السخرية والميمز الموجهة ضد أصحاب البيوت. ينشر أحد الأعضاء صورة لـ"غرفة تحت الدرج" بسعرٍ مميز لا يتخطى بضعة آلاف من الدولارات، فيما ينشر آخر "قاموساً" للمصطلحات التي يتداولها أصحاب الشقق للترويج لشققٍ لا تستحق الأسعار المطروحة. فشقة حميمة تعني شقة صغيرة جداً، في قلب بيروت أي في زاروبة ضيقة لا تدخلها الشمس؛ مرمّمة ومفروشة بشكلٍ كامل، أي أنه تمّ طلي جدار واحد وتغيير مصباحين كهربائيين؛ وهكذا دواليك..
أما حجة أصحاب الشقق، الذين إنهالوا أيضاً بالتعليقات والمنشورات المضادة، فهي واحدة لا ثانية لها، ومفادها أنهم قاموا بشراء شققهم بالدولار، وغالباً بالدين، وهم بحاجةٍ إلى تسديد فوائد ملكيتهم بالدولار. يأتيهم ردّ المستأجرين بأنهم ليسوا مسؤولين "عن خياراتكم الغبية بالإستثمار في القطاع العقاري بهذه الأسعار غير المنطقية". 
وأشار أحد المستخدمين إلى وقاحة أصحاب الشقق الذين "يتوقعون سداد قيمة شقتهم الإضافية من جيب أشخاص أمثالنا لا يحلمون بامتلاك شقة ناهيك عن اثنتين او ربما اكثر". كما سخر بعض المعلّقين مما إعتبروه "نفاقاً" من قبل بعض أصحاب الشقق التي تظهر صفحاتهم الفايسبوكية أنهم منخرطون في الثورة في حين أنهم يعمدون إلى إستغلال الأزمة ورفع الأسعار طمعاً بأموال الأجانب. 

وفي مكانٍ آخر، تطوّع بعض المستخدمين لتثقيف أصحاب الشقق حول طريقة عمل السوق العقارية، علّهم يدفعونهم إلى التخفيف من آمالهم.

هذا الإستهداف المباشر لأصحاب الملك الذين يطلبون الأسعار الباهظة، إعتبره البعض "تنمرّاً" و"تعدّياً على حريتهم" باستثمار ملكيتهم كما يحلو لهم، على قاعدة "يلي مش عاجبو ما يستأجر". وقد وصل الأمر إلى إعلان "أدمين" الصفحة عن منع البوستات الساخرة والتعليقات الرافضة لبعض الإعلانات. 

لكن إلى جانب السخرية، كان لبعض مستخدمي المجموعة مطالب فعلية باعتبار أن المجموعة تقدّم خدمة أساسية في بيروت وهي تبادل المساكن، ويجدر من منطلق ديمقراطي تمثيل كافة الأطراف المعنيّة بهذه العملية الإقتصادية. ومن هنا، إقترح بعض الأعضاء إضفاء "أدمينز" جدد يختلفون عن الأدمينز الراهنين من حيث مقاربتهم لقضية السكن. كذلك، طُرِحَت فكرة وضع سقف لأسعار الشقق. فيما ذهبت بعض الأصوات إلى مطالبة "أدمينز" الغروب بالتنازل عنها، كونهم غير قادرين على إدارتها بما يحفظ حقوق المستأجرين. وكتب أحد الأعضاء: "أخرجوا، لأن قاعدة العرض والطلب ليست مقدّسة". 
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020