الجزائر- فرنسا..كرة القدم تنكأ جراح المصالحة

حسن مراد

الأحد 21/07/2019

بات من المستحيل فصل كرة القدم عن السياسة. هذه الرياضة أصبحت بطبيعتها مسيسة يهوى السياسيون، كما الصحافة، استشراف جوانبها غير الكروية كلما سنحت الفرصة لا سيما مع دفع الفيفا باتجاه أن تكون إحدى وسائل الحوار والتواصل بين الشعوب.

وليس صعباً على كل من تمعن في تاريخ العلاقات الفرنسية - الجزائرية أن يلحظ وجود محطات رياضية اعتُبرت انعكاساً للحال التي تجمع هذين البلدين. ففي عز حرب التحرير الجزائرية غادر لاعبون جزائريون أنديتهم الفرنسية للالتحاق بفريق كرة القدم الذي أسسته جبهة التحرير الوطني، كذلك المباراة الودية التي جمعت البلدين عام 2001 وشهدت اقتحام الجمهور الجزائري للملعب. 

يوم الجمعة الفائت، تُوّج المنتخب الجزائري بطلاً على أفريقيا للمرة الثانية في تاريخه بعد انتصاره على نظيره السنغالي. بطولة تخطت ارتداداتها القارة السمراء، فالمصالح الفرنسية في أفريقيا كما شغف الفرنسيين في متابعة هذه اللعبة دون أن ننسى الجاليات الأفريقية المقيمة في فرنسا، حوّل كأس الأمم الأفريقية إلى حدث رياضي فرنسي. لكن الأمر أخذ منحى سياسياً بعد الانتصارات التي حققها المنتخب الجزائري وما رافقها من احتفالات للجزائريين في فرنسا، فكانت محطة لإطلاق مواقف سياسية على المستوى الداخلي الفرنسي. 

الشرارة اشعلها تأهل الجزائر إلى الدور نصف النهائي ثم النهائي، فعلى هامش الاحتفالات بالتأهل سُجلت أعمال شغب وتكسير لواجهات المحلات وحرق للسيارات في عدد من المناطق لا سيما على جادة الشانزليزيه في باريس كما في مدينتي ليون ومرسيليا. عقب هذه الحوادث أطلق عددٌ من نواب حزب الجمهوريين (اليمين الفرنسي) تغريدات هاجمت وزير الداخلية على تراخيه في ضبط الأمن في محاولة لتسجيل نقاط سياسية على الحكومة. وإذا اكتفى البعض بتناول القضية من زاوية أمنية، فإن حزب التجمع الوطني (اليمين المتطرف) استغل هذه الأحداث لإعادة تسويق أفكاره المعادية للهجرة والمهاجرين. 

ففي فيديو نشرته على صفحتها الخاصة، استبقت رئيسة الحزب مارين لوبان المباراة النهائية لتصف ما جرى في الأيام الماضية بالمروع والمقلق، معتبرةً أن مثيري الشغب يسعون لفرض نظامهم الخاص في فرنسا داعية إلى سحب الجنسية الفرنسية ممن يثبت تورطه في أعمال الشغب هذه، مضيفة أن ما جرى دليل إضافي على فشل سياسة الاندماج الوطني، مسألة تناولتها أيضا صحف فرنسية . 

من جهته، رأى مدير مركز الدراسات في حزب التجمع الوطني جان مسيحة أن كل هذا الشغب سينتهي عام 2022 في إشارة إلى الانتخابات الرئاسية القادمة. تغريدة نائب رئيس التجمع الوطني جوردان بارديلا وصفت ما جرى ب"السوق الجزائري" في إيحاء واضح إلى ما يعتبره الحزب "طمس المهاجرين للهوية الفرنسية" بعدما صودف تأهل الجزائر للمباراة النهائية يوم 14 تموز وهو تاريخ العيد الوطني الفرنسي. 

لكن أكثر ما استرعى التهكم كانت تغريدة عضو المكتب الوطني في الحزب جوليان اودول. فانطلاقاً من "حرصه على الأمن الداخلي" بالتوازي مع "انعدام ثقته في قدرة وزير الداخلية على ضبط الوضع"، تمنى الفوز للمنتخب النيجيري (الذي واجه الجزائر في الدور النصف النهائي) ليرد عليه رواد مواقع التواصل الاجتماعي معتبرين كلامه أشبه بالمعجزة إذ بات اليمين المتطرف منحازا لمنتخب يضم لاعبين ذو بشرة سوداء في تذكير بسياسة الحزب العنصرية. بالتوازي، علت أصوات استهجنت الاحتفالات بحد ذاتها بدعوى أن فرنسا غير معنية بأي بطولة أجنبية. 

 رغم كل التهويل الذي سبق المباراة النهائية سارت الاحتفالات على خير ما يرام ولم تُسجل إلا أحداث طفيفة لتعنون صحيفة Le Monde ، ذات التوجه اليساري، في نسختها الورقية "نجمتان للجزائر ... ابتهاج في الجزائر (العاصمة) وباريس ومرسيليا". مقال نُشر كذلك على الموقع الإلكتروني للصحيفة لكن تحت عنوان مختلف وهو "نحتفل بفوز الجزائر كما احتفلنا بفوز فرنسا العام الماضي" ، مقال استُهل بعبارة "ابتهاج على ضفتي المتوسط" (عبارة شائعة الاستخدام في الدراسات الأكاديمية للإشارة إلى القضايا والتحديات المشتركة التي تجمع هذه المنطقة الجغرافية على مختلف الصعد). هذان العنوانان كما استخدام عبارة "ضفتي المتوسط" حملت جميعها رسالة مفادها أن فرنسا المتنوعة الثقافات هي مصدر غنى ما يفرض عليها تمتين روابطها مع محيطها.

وسعت الـ Le Monde كذلك إلى ترسيخ انطباع مختلف عن الجزائريين المحتفلين بفوز منتخبهم، فكان رصد ميداني للأجواء في منطقة Barbès الباريسية ذات الغالبية العربية والتي تجاورها أحياء ذات أغلبية أفريقية ليعكس التحقيق أجواء أخوية بين مشجعي المنتخبين. 

من جهتها تناولت صحيفة Libération البطولة من زاوية مميزة عن باقي الصحف، فاعتبرت وصول منتخبي الجزائر والسنغال إلى المباراة النهائية بمثابة انتصار لفرنسا أيضاً. ففي كلا المنتخبين نجد لاعبين مزدوجي الجنسية احترفوا كرة القدم في فرنسا، كما أثرت "المدرسة الكروية الفرنسية" إيجاباً خارج حدودها واتضح ذلك من خلال أداء اللاعبين الذين لم يتدرجوا داخل فرنسا. وانسحب الأمر كذلك على كلا المدربين اللذين ترعرعا، للمصادفة، في المنطقة الباريسية نفسها ليدخلا إلى عالم كرة القدم من بوابته الفرنسية. واعتبرت الصحيفة، في مقال آخر، أنه مثلما يحق للجزائريين الافتخار بمنتخبهم، من حق فرنسا أيضاً الاعتزاز بنفسها لناحية نجاح سياسة الاندماج بخلاف ما يحاول اليمين المتطرف التسويق له. 

وأثار فوز منتخب الجزائر لغطاً على مواقع التواصل الاجتماعي بعد انتشار صورة "جانبية" لبرج ايفل مضاءً بألوان العلم الجزائري، ليتبين لاحقاً أن الصورة تعود لبطولة أوروبا عام 2016 ، ففي حينها اعتادت بلدية العاصمة إضاءة البرج كل ليلة بأعلام البلدان الفائزة بآخر المباريات، فالأخضر والأبيض والأحمر كانت ألوان العلم الإيطالي وتأكد ذلك بعد نشر صورة لواجهة البرج تظهر فيها تفاصيل العلم الأدزوري. 

حتى تاريخه، لم تجر مصالحة حقيقية بين البلدين رغم كل الجهود والخطوات التي بذلت لهذه الغاية. وعليه، طالما لم تطوَ هذه الصفحة بصورة نهائية، سيظل هذا الجرح مفتوحاً على مستوى العلاقات الثنائية أو على صعيد المكانة التي يحتلها الجزائريون والفرنسيون من أصل جزائري داخل المجتمع الفرنسي، وستبقى النظرة حيال هذا الملف الشائك متفاوتة ومتضاربة وفقاً لرؤى كل طرف سياسي. 

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019