الوزير النيروني

بتول خليل

الجمعة 05/07/2019
السؤال الذي وجّهه النائب السابق، مصباح الأحدب، حول دافع الوزير جبران باسيل لزيارة طرابلس، بالرغم من إعلان قيادات وأهل المدينة عدم ترحيبهم به، وقوله بأنّ "طرابلس بكل طوائفها تحتقرك يا جبران بقدر ما تحتقرها"، شكّل التعبير الأبلغ والأدق عن المدى الذي آلت إليه حالة الاستياء والرفض للرجل الذي تحوّل إلى عبء ينوء بحمله كاهل شريحة واسعة من اللبنانيين.


الأحدب الذي بدا أنه ضاق ذرعاً بتصريحات باسيل، قرر دكّ برجه العاجي من خلال اللجوء إلى الأسلوب المباشر والحاد في التصويب عليه، بعدما نشر في حسابه الرسمي في "فايسبوك" رسالة مصوّرة تستبق زيارته المقررة إلى طرابلس نهاية هذا الأسبوع، مخاطباً إياه بالقول: "أنت تقوم بهذه الزيارات لإستفزاز اللبنانيين لأنك تريد التغطية على أمرين، الأول هو الفضائح، والأمر الثاني هو فشلك بأي انجاز، فما هي الانجازات التي أتيت بها غير العودة بالوطن الى زمن الحرب الأهلية؟"، مضيفاً بأنّ "طرابلس، عاصمة الثقافة والعراقة لها تاريخ مشرف بنيناه جميعاً، هو تاريخ العيش المشترك والانفتاح والتعددية، وهذا التاريخ يرفض التطرّف والتعصّب والحقد الدفين، الذي لا يُوصل إلى أي نتيجة".



كلام الأحدب أتى معبّراً عن غالبية قيادات طرابلس ومواطنيها ومنسجماً مع مواقفهم تجاه باسيل المتمسّك بزيارة المدينة، رغم ما عبّروا عنه في الإعلام ومواقع التواصل عن نيتهم بإغلاق أبواب المدينة في وجهه، بعدما طفح كيلهم وبلغ بهم السيل الزبى، نتيجة لما لمسوه من جهل الرجل بحساسيات وتوازنات المناطق اللبنانية، وإصراره على إبراز استهتاره بمشاعر غالبية المواطنين اللبنانيين، ومواظبته على المُضي في استفزازهم واحترافه بابتداع الوسائل التي تُخرجهم عن طورهم، فيما هو تتلبّسه حالة عجيبة وغير مفهومة من الإنكار لكلّ هذا الواقع وتعامله معه وكأنّه لم يكن، مصحوباً بإلحاح عجيب باقتحام سياج الرفض وتجاهل النقمة عليه، والتوغّل في انفصاله عن الواقع، كونه يعيش داخل فقاعة تُزيّن له أن كلّ مظاهر الاعتراض والاحتجاج والرفض الموجه له لا يعدو كونه تمنّعاً ناتجاً عن الغنج والمزاح، كونه يرى في نفسه قائداً فذّاً وملهماً، يملك رصيداً شعبياً لا يهتز ولا يتراجع.

باسيل الذي أثبت براعته وموهبته الفريدة في إظهار أسوأ ما في الآخرين، تجمهر أنصاره في مواقع التواصل، وهبّوا للدفاع عنه ونصرته في وجه الأحدب وكلامه الذي وصفوه بـ"التحريضي" و"الخارج عن القيم"، وذلك ضمن حالة الإنكار نفسها التي يتشاركها هؤلاء مع زعيمهم، مظهرين تماهيهم مع خطابات الرجل وتصريحاته وعنجهيته التي تخطّت كلّ الحدود، ما حدا بهم إلى التعبير عن قناعتهم بأن موقف الأحدب وما صدر عنه هو مجافاة للحقيقة، ناكرين أحقيته في رفع صوته في وجه باسيل والتكلّم باسم الطرابلسيين كونه الخاسر في الانتخابات النيابية الأخيرة، في حين أن رمزهم المُبجّل يمثّل الكتلة النيابية الأكبر في المجلس النيابي، ما يُعطيه الحق في فرض إرادته على اللبنانيين، الذين لا يُنتظر منهم سوى الإذعان والامتثال لطموحاته والاعجاب بخطاباته، مهما بلغ مستوى التخريب والتحريض والتفرقة الكامنة فيها، وهو منطق وصفه بعضٌ من أهل طرابلس بالمنطق النيروني، نسبة لنيرون روما.

وفي حين يفترض المنطق السليم أنه يستوجب على السيّد الوزير، صاحب أكبر كتلة نيابية، أن يُجانب الحكمة ويتلمّس الصواب، انطلاقاً من موقعه كمسؤول رفيعٍ وولي عهد منتظر، ما يجعل من الأجدر نصيحته وتسليط الضوء على مكامن الخلل في تصريحاته وتعابيره ومواقفه، بدلاً من التركيز على شنّ الهجمات على الأحدب وتصويره بأنه يقوم بشحذ همّة الطرابلسيين وتحريضهم، بحسب أحد المغردين المنضوين تحت لواء الدفاع عن باسيل، والذين كعادتهم تجاهلوا أنه مهما بلغ حجم التمثيل النيابي الناتج عن تحالفات سياسية ومصلحية نفعية حالية، فإنها بنسجيها المتنافر لا تُشكّل بالضرورة ركيزة لاكتساب محبّة الشعب ولا تؤهّل صاحبهم لتبوّء موقع  قيادته. إذ إنّ جبران باسيل يُعتبر، من وجهة نظر الكثيرين، لم يبلغ موقعه الحالي إلا لكونه شكّل تقاطع مصالحٍ آنياً قابلاً للتبديل والتغيير في المستقبل القريب أو المتوسط، والذي لا بدّ أنّ يُسبب التلاشي لانتفاخه الكاذب وطيّه في صفحات النسيان.  

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019