منى مذبوح.. الإهانة تلتهم التحرش

أحمد شوقي علي

الثلاثاء 05/06/2018
ثمة رأي يتبناه الخبراء النفسيون، أنه عند تعرض ضحية ما للانتهاك، فإن حالة من العدوانية قد تنتابها في مواجهة المجتمع الذي فشل في حمايتها.

قد تبرر وجهة النظر تلك مهاجمة اللبنانية منى مذبوح عموم المصريين، خلال المقطع المصور الذي بثته لسرد وقائع تحرش لفظي تعرضت له في القاهرة الشهر الماضي.

ففي العاصمة المصرية لا تسلم امرأة –تقريبًا- من التحرش. وبحسب بحث أجرته وكالة "رويترز"، نُشرت نتيجته في أكتوبر / تشرين الاول الماضي، فإن القاهرة تأتي في المركز الأول كأخطر مدينة على النساء. لكن خطاب الشابة اللبنانية، الذي ظهر في مقطع مصور نشر قبل أيام من إلقاء أجهزة الأمن القبض عليها. لم يكن أقل عداءً ضد المرأة، من التحرشات التي واجهتها مذبوح وتواجهنها يوميًا، ولعله يتجاوز في عدائه السيدة المصرية لينال من مثيلتها اللبنانية، ليس لأن "منى" تمثلهن، وهذا تصور ساذج، ولكن لأنها استخدمت أوصافًا تحط من استنارة اللبنانيات، وترجع الفضل في تحررهن إلى المحتل الفرنسي الذي منحهن –بحسب وصف مذبوح- تلك الهيئة التي جعلت منهن "هوانم".

استخدمت السائحة اللبنانية التي اعتادت زيارة القاهرة، لهجة تغلب عليها العامية المصرية، خلال مقطع السباب، ربما لتبرز قدرتها على مقارعة الرجل المصري الذي اعتبرته محتالًا بالإضافة إلى كونه متحرشًا.

 وخلال فيديو ثان بثته مذبوح، في اليوم التالي لذيوع مقطعها الأول على صفحات التواصل الاجتماعي، أظهرت ما بدا وكأنه اعتذار للشعب المصري، الذي أساء تفسير لهجتها اللبنانية في المرة الأولى، وقد حرصت في سبيل ذلك على التحدث باللهجة اللبنانية، خلال الدقائق الأولى من الفيديو، قبل أن تتحول مرة أخرى إلى اللهجة المصرية، حين جاءت على ذكر حبها لمصر واعتزازها بها، لكنها وخلال 7 دقائق استغرقتها لبلوغ ذلك الغرض، لم تأت ولو لمرة وحيدة على ذكر المرأة التي ارتكز حولها السباب في المقطع المصور الأول، وبالتالي لم تعتذر إليها مطلقًا، ووجهت اعتذارها كله إلى المصريين الذين اتهمتهم في ما سبق بالتحرش دون تفرقة، وهكذا فقدت الشابة اللبنانية كل فرصة يمكن أن يناصرها من خلالها قطاع لا يستهان به من المدافعين عن حقوق المرأة ومناهضي التحرش في المجتمع المصري.

غير أنه، ومع التسليم بما ارتكبته منى مذبوح من أخطاء، فهل تلك الإساءات التي صدرت عنها كافية، لإسقاط حقها في القصاص ممن روعوها وتحرشوا بها؟

وقعت الحادثة الرئيسة، والتي من أجلها بثت الشابة اللبنانية المقطع المصور، بينما كانت تسير بمفردها في شوارع حي الزمالك بالقاهرة، بعد أن رفض مندوب شركة أوبر توصيلها لتزامن طلبها الرحلة مع ساعة الإفطار، الأمر الذي دفعها للسير على أقدامها للبحث عن تاكسي، قبل أن يتحرش بها لفظيًا بعض المارة.

لكن تلك الحادثة، بكل ملابساتها المؤسفة، أُغفلت عمدًا في إطار شعور جمعي بالإهانة، انعكس عبر عدد من الدعوات التي انتشرت على صفحات التواصل الاجتماعي، تطالب بإحالتها للمحاكمة القضائية، لأن ما بدر منها "إهانة لكرامة كل مصري"، الأمر الذي دفع المحامي عمرو عبد السلام، الذي يرأس منظمة تدعى"العفو العربية لحقوق الإنسان"، بتقديم بلاغ ضدها للنائب العام لـ"تطاولها على المصريين"، بحسب وصفه.

ولا يبدو أن الغضب المصري تجاه ذلك المقطع، يتمحور حول الرغبة القومية في رد "الإساءة" عن الدولة، باعتبار أن صاحبة الإساءة أجنبية، ولكنه نابع من شعور بالاستفزاز لتعرضها لما يمس "الشرف" وفق المفهوم الذكوري الحاكم للمجتمع المصري. فالمثير في الأمر، أن ذلك المحامي الذي لم تتوان النيابة عن تحريك بلاغه، سبق وأن ترافع عن جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر، في قضايا تتعلق بالإرهاب أبرزها القضية المعروفة إعلاميًا بمذبحة كرداسة، حد أن صحيفة محسوبة على النظام مثل اليوم السابع، وصفته بالمحامي الذي"باع نفسه للشيطان"، الأمر الذي يحمل كثيرًا من السخرية حين ينبري ذلك المحامي نفسه للدفاع عن "رئيس الدولة"، حسبما أدلى في عدد من التصريحات الصحافية.

في السياق ذاته أصبحت تهمة مثل الإساءة إلى الدولة، في الأوان الأخير، أقل وطأة من ذي قبل، خاصة وأنها صارت توجه للكثيرين مشاهير وغير مشاهير، في مواقف أقل شأناً من ذلك الذي ارتكبته مذبوح. ففي العام 2015، واجهت الراقصة الأرمينية الأصل صوفينار، حكمًا بالحبس ستة أشهر وغرامة قيمتها ألفي دولار بعد إدانتها بتهمة إهانة العلم المصري، بارتداء بدلة رقص تحمل ألوانه، لكن المحكمة عادت لتلغي الحكم في وقت لاحق من العام نفسه، بعد أن ضاعفت الغرامة.

وتواجه منى مذبوح ثلاث تهم، بحسب بيان الإحالة الذي أعلنته النيابة، وهي: الإساءة للشعب المصري، وإذاعتها عمدا إشاعات كاذبة، من شأنها المساس بالمجتمع، والتعدي على الأديان، وهي تهم قد تصل عقوبتها حال إدانتها إلى السجن خمس سنوات، في حين يبدو أن النيابة قد تغاضت عن النظر في البلاغات التي قدمتها مذبوح ضد الذين تحرشوا بها، وأعلنت عنها خلال الفيديو الذي بثته قبل إلقاء أجهزة الأمن المصرية القبض عليها.

فإن كانت الشابة اللبنانية قد أخطأت في حق الدولة التي استضافتها، فإن من حقها على تلك الدولة أن تحرص على القصاص ممن روعوها، بمثل حرصها على محاسبتها على خطأها، لكن يبدو أن الدولة المصرية استفزتها -مثل الذين طالبوا بمحاكمتها- الإهانة ولم تستفزها واقعة التحرش.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019