جرحى النظام مشردون في دمشق: تصدّع البيئة الموالية

نذير رضا

الأحد 21/10/2018
تختلط على المقاتلين في صفوف قوات النظام السوري القدرة على الفصل بين المفاهيم الوطنية، والكرامة الشخصية. فحجم الادلجة التي خضعوا لها، ألغت الذات، الى حد كبير، فذابت خلال فترة الحرب بين الفرد، والشعور الجمعي، حتى وجد هؤلاء أنفسهم أخيراً مشردين.

وقد يكون العسكري السوري الجريح، الذي لم يجد مأوى لنفسه في العاصمة السورية طوال عشرة ايام، غير الحديقة العامة، مجرد مثال على عمق أزمة ثقافية مرتبطة باختلاط المفاهيم، وأزمة أخلاقية لدى أزلام النظام والمنتفعين منه، دفعت المقاتلين للتشرد. 

من ناحية انسانية، لا يوصف الفيديو الطويل للعسكري السوري الجريح، الذي يتحرك على كرسي مدولب، الا بالمشهد الحزين. قاتل الرجل للابقاء على نظام لطالما كان طوال ست سنوات مهدداً بالسقوط. دافع عنه بلحمه الحيّ. وفي النهاية، لم يجد ذراعاً تشد عضده الى مستشفى، أو الى مأوى في العاصمة التي سكنها طامحون للمناصب، وشبيحة، لا يتردد الرجل في وصفهم بأنهم ليسوا آدميين، أولئك الذين يقودون سيارات "مفيمة"، ولم يلتفتوا الى حاله، ولم يسألوا عن حاجاته. 

لا يدرك الرجل الذي اصيب في خناصر في حلب قبل أربع سنوات، هذه الوقائع. بالنسبة له، قاتل دفاعاً عن "كرامة وطنية" لم تسقط رئيسه، ولم تدفع ابناء منطقته للتبدد في الأصقاع السورية، أو أصقاع العالم، كما هو الحال مع فئات لم تكن تسكن اللاذقية التي يتحدر منها. في حديثه عن الكرامة الوطنية، يسقط الحق الذاتي، ويذيبه في مصلحة جمعية، يطلق عليها في هذه الحال "الكرامة الوطنية". وهي كرامة نكثت بعهودها له، فوجد نفسه مشرداً، لا مأوى له سوى حديقة عامة.

ولم تلفت بزته العسكرية التي يرتديها، أو العلم السوري الذي يرفعه على كرسيه المدولب المتوقف الى جانبه، أياً من النافذين، أو المخبرين، قبل وصول اعلامية بعد عشرة ايام، تحدثت اليه مطولاً ونشرت مقطع الفيديو في مواقع التواصل الاجتماعي. 

مع أفول الحرب، انحسرت الأحلام، وبدأت تستوي المفاهيم عندما وجد نفسه وحيداً. بحسرة، يتحدث عن الفقر والألم، لكنه لا ينقلب علناً على سنوات تحولت الى جزء من تاريخه. كما لم ينقلب على تجربة، ألزمته الركون الى كرسي متحرك. لكن الغاء الذات في هذه المرحلة، بات أكثر تعقيداً، خلافاً للبداية، عندما كان الجميع متساوين بالتهديد. اليوم، انحسر حلمه الوطني الى مساحة ضيقة، لا تتخطى مساحتها أربعة جدران يمكن أن تأويه في دمشق، وترفع عنه صقيع العاصمة، وظلمتها. ويقابل الجميع بالنكران. 

والعسكري الجريح، ليس حالة استثنائية. هي واحدة من مآسي الحرب، باتت أكثر شيوعاً بعد انحسار رائحة الدم والبارود في  سوريا. ومثلما تشكل معضلة بالنسبة للنظام غير القادر على ترميم بيئة اجتماعية متصدعة، والعاجز عن الحد من تنامي الفوارق الطبقية والمشاعر الدينية، تمثل في الوقت عينه معضلة لبيئة اجتماعية وجدت نفسها خارج التأهيل الاجتماعي. بيئة مشردة، منبوذة، متنكر لها، وفقيرة، لكنها لا تكف عن تعزية نفسها بادعاء الانتصار وصمود النظام و"صلابة" رئيسه، وتعبر عنها بشعارات مستعادة من زمن الأسد الأب، تلك التي تتحدث عن "السيادة" و"القرار الوطني". 

ولا يجسد هذا الرجل الا مثلاً من أمثال كثيرة تُضرب، وتوثقها فيديوهات مواقع التواصل الاجتماعي. قبله، انتشر مقطع فيديو لجندي جريح يتسول في طرطوس بعد أن سرح من الخدمة العسكرية إثر اصابته. كما يتحدث الجميع عن فقر الجنود وعوزهم. فما أفرزته الحرب، بيئة موالية معدومة، تتحسر على أوضاعها، وبيئة انتهازية استفادت من اقتصاد الحرب ومن سطوتها العسكرية، بينما يتبجح النظام بانتصارات سرعان ما تتهاوى عند أول اختبار انساني من هذا النوع. 
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019