سليماني حامي المسيحيين في الشرق الأوسط؟!

وليد بركسية

الثلاثاء 07/01/2020

"مشروع المقاومة الذي حمله قاسم سليماني يشابه مشروع المقاومة الذي تبناه المسيح". هي واحدة من العبارات التي تضمنها تقرير بثته الناشطة البريطانية المقربة من الكرملين فانيسا بايلي، عبر قناتها في "يوتيوب"، وصور الرجل الذي ينظر اليه على نطاق واسع كقائد لميليشيات وكيلة لإيران في المنطقة، كبطل دافع عن الوجود المسيحي في الشرق الأوسط.

وإن كانت هذه السردية ليست جديدة تماماً، فإنها تمثل نموذجاً لكيفية خروج صورة سليماني الإعلامية من حيزها الضيق الذي كانت تحكمه سردية الصراع السني الشيعي في الشرق الأوسط، فقط، نحو حيز أوسع، لأن مقتله على يد الولايات المتحدة بغارة جوية نفذتها طائرات مسيرة على أراضي دولة "ثالثة"، هي العراق، يمثل حدثاً دولياً يشكل أساساً لصناعة البروباغندا المعادية للغرب عموماً، بشكل قد يتجاهل كثيراً من التفاصيل التي تضمنتها قصة حياة الرجل وتأثيره على الشرق الأوسط في العقدين الأخيرين.


النظرة الطائفية التي تحكم الشرق الأوسط، تكرسها البروباغندا الروسية، بالتوازي مع التقارب بين موسكو وطهران خلال السنوات الأخيرة. وفيما تختلف التحليلات حول مدى تقارب علاقة البلدين، بسبب مؤشرات مختلفة، إلا أن المؤكد هو اشتراكهما في عداء الولايات المتحدة والقيم الديموقراطية، وتتقاطع بعض مصالحهما في المنطقة التي يخف فيها نفوذ واشنطن تدريجياً.

وتصبح الدعاية الروسية حول سليماني في هذا السياق، مرتكزة على فكرة الهجوم على الغرب وتبرير الأنشطة الروسية التي تتوسع في المنطقة، أكثر من كونها دفاعاً عن المشروع الإيراني نفسه في الشرق الأوسط، خصوصاً أن موسكو تسعى لطرح نفسها كقوة بديلة للولايات المتحدة، وكوسيط يمتلك القدرة على الحوار مع كافة القوى المتخاصمة في الشرق الأوسط.

وطوال سنوات الحرب في سوريا، صوّر نظام بشار الأسد نفسه كمدافع عن حقوق الأقليات، المسيحيين تحديداً، ضد تنظيم "داعش"، في محاولة لإعادة رسم صورة النظام الذي انهارت شرعيته بعد الثورة الشعبية في البلاد، والمراهنة على اختراق الديموقراطية الغربية. وساهمت آلة البروباغندا الروسية في ترويج تلك السردية التي انتشرت بين أنصار اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة، فمثلاً رفعت شعارات موالية للأسد في مظاهرات قام بها نازيون جدد في تشارلوتسفيل العام 2017 بينما زار نواب ألمان ينتمون لحزب البديل المتطرف، دمشق، مرات عدة.

وتتوسع تلك السردية اليوم، لتصوير سليماني ومن خلفه الحرس الثوري الإيراني ونظام الملالي في طهران، كحليف للمسيحيين في المنطقة ضد الإرهابيين السنّة. وهو ما تجلى في عشرات التقارير التي نشرتها مواقع إلكترونية تعرّف عن نفسها بأنها تتحدث بلسان المسيحيين الغربيين، والتي نعت سليماني وحذرت من استهداف جديد للمسيحية في الشرق الأوسط بعد مقتله.

وإن كانت الصبغة الدينية والطائفية متكررة في الرموز المتداولة حول سليماني، بما في ذلك الصور التي نشرها المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي وتظهر سليماني في الجنة مستقبلاً من طرف الحسين بن علي، الإمام الذي يقدسه المسلمون الشيعة، والرد الذي تداوله إنجيليون أميركيون ويظهر احتضان المسيح للرئيس الأميركي دونالد ترامب احتفاء بقتل الرجل الشرير... فإن الدعاية الروسية الموازية، تتخطى الصورتين معاً وتقدم صورة محلية/دولية بديلة مفادها وجود فراغ في المنطقة، بدليل أن استهداف المسيحيين مستمر من قبل الإرهاب الإسلامي، وهو ما يبرر بالتوازي الوجود الروسي المتوسع في المنطقة، لكل من السكان المحليين من جهة وللرأي العام العالمي من جهة ثانية.

اللافت هنا أن مقاطع الدعاية الروسية الأولى بشأن حماية المسيحيين في سوريا تحديداً، والتي تعود للعامين 2015 - 2017، كانت تتجاهل بشكل تام الإشارة إلى العامل الإيراني الحاسم بدوره في دعم النظام السوري، منذ العام 2011 بشكل مباشر، عبر الميليشيات الأجنبية مثل حزب الله.

وكان هنالك تقسيم للأدوار الدعائية، فالروس يحمون المسيحيين والإيرانيون يحمون المزارات الشيعية، وكل ذلك يغلف بفكرة "حماية التراث الإنساني في شرق البحر المتوسط.

هذا الفصل بدأ يتلاشى كما هو واضح في مقطع بايلي، حيث ساهمت الحرب السورية في تقارب بين موسكو وطهران، وربما يشكل نفياً للتحليلات التي تتحدث من حين إلى آخر عن وجود صراع خفي بين الروس والإيرانيين في سوريا، بناء على الأخبار اليومية المختلفة، والتي تشمل الضربات الجوية الإسرائيلية لأهداف إيرانية في سوريا بالتنسيق مع روسيا. وإن كان من المسلم به حتى الآن، عدم ارتقاء العلاقات بين الجانبين إلى مستوى الحلف الاستراتيجي أو تشكيل محور واحد، إلا أنهما تتعاملان مع بعضهما ضمن تفاهم عميق على أقل تقدير، بوصف روسيا قوة إقليمية متنامية.

تجلّى ذلك بوضوح في التحليلات الإعلامية التي قدمتها الصحافة العالمية بعد اغتيال سليماني، وأشارت في شبه إجماع، إلى أن اندلاع حرب تقليدية بين الولايات المتحدة وإيران ليس مرجحاً، لأسباب عديدة أبرزها أن التقارب الإيراني مع روسيا تحديداً، لا يرتقي إلى درجة انخراط موسكو في حرب إلى جانب طهران ضد واشنطن، لكنه قويّ نظرياً لدرجة دعم موسكو لطهران في حال اندلاع حرب لا متماثلة يقوم بها وكلاء إيرانيون في منطقة الشرق الأوسط، مع تقديم سرديات بديلة تبرئ طهران من المسؤولية أمام المجتمع الدولي، ارتكازاً على أن قتل الولايات المتحدة مسؤولاً حكومياً على أرض أجنبية يعد خرقاً للقانون الدولي وكذلك قانون صلاحية الحرب في الكونغرس.

وتنبغي الإشارة هنا، إلى أن الصورة الروسية لسليماني بهذه الطريقة، ليست سوى واحدة من عشرات الصور التي رسمت لسليماني بعد مقتله، وجعلته يبدو كرجل أسطوري بألف وجه، ويمكن رصد عشرات البروفايلات الإعلامية التي قدمتها صحف كبرى، لا تتشابه سوى في الإحداثيات البسيطة مثل تاريخ ولادته وموته واسمه، لا أكثر، والتي جعلت من التساؤل عن هويته أكثر أهمية ربما من التساؤل عن تداعيات مقتله. وكان ذلك مستفزاً لدرجة دفعت الكاتب البارز توماس فريدمان، لوصف سليماني أخيراً في صحيفة "نيويورك تايمز" بأنه أكثر شخصية تمت المبالغة في أهميتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020