المقود الهيدروليكي الذي حرّر المرأة

ريم جبر

السبت 20/07/2019
أجلس في المقعد الخلفي، وإلى جوار السائق راكب آخر. تتوقف السيارة أمام إشارة المرور وما إن يتحول لونها الى الأخضر، تنطلق سيارة مجاورة بسرعة وتقطع الطريق لبرهة أمام سائق السرفيس، قبل أن تفسح الطريق أمامه بعد ابتعاد سيارة الشابة. يقول الشوفير، السائق: "يعني كلو بسبب "الغيدون إيدروليك"، المقود الهيدروليكي. 

فسألته عما يقصد، فقال أن هذا "الغيدون" أتاح للمرأة القيادة مثل الرجل بينما كان المقود القديم ثقيل الدوران وعسيراً ويسبب "للنسوان" أوجاعاً. بينما اليوم صارت النساء تقود السيارة بخفة، وتعمل على رغم أن زوجها ميسور ويغنيها عن "الشغل". لكنها تريد العمل، وتدفع لخادمة لتنظيف البيت و"تربي الولاد"، و"تقبض معاشاً" أعلى من معاش زوجها. تذكرتُ عمتي اللتي أصيبت بالتهاب في الكتف لأن مقود سيارتها الفولفو "مثل الدبابة"، على قولها.

للوهلة الاولى حين تكلم عن المقود، حسبتُ أنه ناشط نسوي، أو أنني وقعت على عالم اجتماع بالفطرة، أو في أقل تقدير على مصدر معلومات قد يخولني كتابة مقالة عن تاريخ المقود مثل المقالات البديعة عن أشياء الحياة اليومية (قلم أحمر الشفاه، جرة الغاز، دراجة الفيسبا، الخفّ ذو الاصبع...) التي درجت صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية قبل سنوات على نشرها. لكن سرعان ما تبدد هذا الانطباع.

لكنه ذكرني بزعم صحيفة "لوبسرفاتوري رومانو"، التابعة للفاتيكان، بأن ما حرر المرأة هو الغسالة الكهربائية، وليس حبوب منع الحمل وتحديد النسل والخروج إلى العمل كما تقول النسويات في الغرب عن تحرر المرأة في القرن العشرين.

وفي مقالة عنوانها "الغسالة الكهربائية وتحرير المرأة- ضعي مسحوق الغسيل، أغلقي باب الغسالة واسترخي"، يدور كلام المقالة على تاريخ الغسالات، بدءاً بتصنيع نموذج أولي بدائي في 1767 في ألمانيا، وصولاً الى الغسالات الرائجة اليوم حيث تستطيع المرأة احتساء فنجان من الكابوتشينو والدردشة مع الأصدقاء فيما يدور محرك الغسالة. 

والحق أن صحيفة الفاتيكان، وسائق السرفيس اللبناني، لم يجافيا الصواب تماماً. فالغسالة والمقود ساهما في رفاه المرأة فعلياً، وفي رفع القيود عن حركتها، سواء بتقليص وقت الغسيل ومشاغل العناية بنظافة الثياب المرهقة، أو بتمكينها من القيادة على ما تشاء. لكن النسويات كذلك محقات. فوسائل تنظيم الحمل أعتقت النساء من الولادات المتناسلة والمتسلسلة.

مشهد ثانٍ
ركبتُ مع صديق سيارة أجرة، وبادرت إلى دفع 4 آلاف ليرة، عني وعنه، الى السائق. فاستهجن، وبدأ محاضرة تقريع. والسيدة الجالسة الى جانبه أخذت توافقه. فقال: "شو هل أيام، انقلبت الأحوال. وهذا غير مقبول. كل شخص له دوره. لا يجوز الانتقاص من مكانة الرجل، ويجب ألا يرضى. مساواة وما بعرف شو". 

وهنا وبعد الموافقة والثناء على ما يقوله، قالت السيدة: "لكن الحماة إذا اخبرتها ابنتها أن زوجها يُعد لها في الصباح القهوة وهي في الفراش، تفرح. لكن إذا ابن هذه المرأة فعل المثل مع زوجته- كنّتها يعني- تعترض أشد اعتراض". وبدا أنها تتكلم عن ابنتها التي يدللها الزوج وعن استياء الحماة. وسكت السائق ولم ينبس بكلمة، مثلنا نحن الراكبين في الخلف والمشاهديْن الصامتين "للعرض". 
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019