ذاكرة ردم وحياة: صحافيون في المرفأ

زينب كنعان

الخميس 17/09/2020
في بيروت وأجساد اللبنانيين، انفجار في مرفأ بيروت دخلت شظاياه قلوب الجميع. 
على الأرض عدسات صحافيين ومراسلين ومصوّرين تنقل الأحداث، توثّق لحظات الفقد والخوف وسط الدمار. لكن بعيداً من الكاميرا، ذاكرة محتشدة بدماء أبناء وبنات بلدهم وردم انبثق من شوارع مدينتهم الحبيبة. ولا تزال اللحظات المشؤومة عالقة في ذاكرة المراسلين، رغم مرور اكثر من شهر على إنفجار الرابع من آب/أغسطس 2020. 

حسان الرفاعي.. للبحر لون آخر
أثناء تغطية اعتيادية لحسّان الرفاعي، مراسل قناة "الجديد"، لاحتجاجات أمام مبنى وزارة الطاقة في منطقة كورنيش النهر، تصله معلومات عن اندلاع حريق في مرفأ بيروت.

يتجّه الرفاعي برفقة زميله المصوّر في القناة جهاد زهري، إلى منطقة المرفأ فيتراءى لهما الحريق، أمام تمثال المغتربين. يهمّ زهري بتحضير أدوات التصوير في تمام السادسة وخمس دقائق فيما يوثّق الرفاعي بعدسة هاتفه مشاهد الحريق. بدأ دوّي المفرقعات، يقول حسّان: "نظرت الى جهاد ومن دون أن ننبس ببنت شفة، كنّا نقول لبعضنا البعض: الأمر يبدو أكبر من مجرّد حريق". ثوانٍ قليلة، ويتصاعد عمود دخان أبيض حول المبنى الذي يحترق، ليتحوّل هذا العمود إلى سحابة بيضاء كبيرة. بعد مرور قرابة 31 ثانية سجلتها كاميرا هاتف حسّان، يلتفت حسّان ناحية زميله وآخر ما يذكره، بحسب ما يروي، جسد زميله جهاد في الهواء على مستوى رأسه. الخوف الأوّل الذي واجهه حسّان تجلّى في الاستغاثة الأولى التي أطلقها بعدما استفاق بعد دقائق ليسأل فيها عن زميله جهاد ليأتي الجواب من أحد المتواجدين في المكان "راح المصوّر"!

يقول حسّان: "شعرت في هذه اللحظات بأنّي طفل صغير، ارتجفت ركبتاي من الخوف، شعرت بأني قد أفقد السيطرة على جسدي بسبب الخوف، جهاد ليس زميلاً فحسب، هو رفيق الساحات والتغطيات، أعرف عائلته كما يعرف عائلتي، هو صديقي". يكمل الرفاعي: "حاولت جمع شتاتي للبحث عن جهاد في هذه اللحظات، أبصرته من بعيد والدم يسيل من رأسه، ركضت نحوه، حضنني، اطمأن قلبي على زميلي، حاولت أن أطمئن زوجتي وعائلتي في "الجديد". غبت عن الوعي واستيقظت وأنا في سيّارة شاب غريب سألته إلى أين يحملني فيجيبني بأنّه لا يعرفني لكنّه يشاهدني على التلفاز ويحبني ونحن في طريقنا للطوارئ.

مضى على حسّان في المهنة ما يقارب الخمس سنوات، تعرّض لإصابات عديدة أثناء تغطيته للاحتجاجات في ساحات بيروت ولإصابة بالرصاص المطّاطي كما تعرّض للضرب من قبل مكافحة الشغب، إلّا أنّه لا يخاف من التغطيات المحفوفة بالخطر لأّن هناك ما يسند عزيمته "ثقته بأبناء بلده". وهو ما تجسّد له يوم إصابته في الرابع من آب عندما استفاق في سيّارة الشاب الذي أقلّه للمستشفى.

الجثث التي انتشلت من بحر بيروت بعد الانفجار، غيّرت لون البحر وصورة بيروت التي عهدناها. يجمع تمثال المغتربين حسّان وجهاد للمرة الأولى بعد الانفجار، يقول الرفاعي: "أحضنه ونبكي، هو الإحساس بمسؤوليتنا تجاه بعضنا البعض، نحن الزملاء في هذه المهنة وهذا الدرب يجمعنا".

جهاد زهري: ساحة حرب في يوم اعتيادي
هي مهنة المتاعب، احتمال التعرّض للخطر والإصابة أمر وارد في هذه المهنة، لكن في الرابع من آب لم يكن هذا الاحتمال وارداً عند جهاد زهري، المصوّر الصحافي الذي بدأ رحلته في هذه المهنة منذ أكثر من عشرين عاماً.

كان يوماً طبيعياً لجهاد زهري كما يقول. بالنسبة له: "انفجار يعني دم يعني سيّارات إسعاف، ضحايا ومبانٍ مهدّمة"، هي مشاهد مباشرة من أرض الواقع: "لا يمكن أن نعيش في بلد كل ما فيه غير طبيعي بينما الصورة الإعلامية طبيعية"، لكنّ هذا لا يعني أن تغيب أخلاقيّات المهنة. لكن الإعلام في لبنان، برأي الزهري، تغيب عنه المحاسبة ممّا يسمح للعاملين في هذا القطاع بتجاوز أخلاقيات المهنة في بعض الأماكن، مستشهداً بذلك بما حصل معه عندما أجرت مراسلة "ام تي في" جويس عقيقي مقابلة معه بعد الانفجار مباشرة بعد تعرّضه للإصابة، لحظتها لم يكن في كامل وعيه إلّا أنها أجرت مقابلة معه. بالنسبة لجهاد "لا يحق لها" ولكنه يعلم أنها لن تحاسب.

حسين بيضون.. الاستمرار حتمّي
حسين بيضون مصوّر صحافي منذ العام 2008 يعمل اليوم في "العربي الجديد" وهو من سكّان مار مخايل. عندما اندلع الحريق في المرفأ كان على الشرفة، دفع به عصف الانفجار إلى داخل المنزل. يهبط درج المنزل فينتبه أنّه من دون رفيقة الدرب. يعود لإحضار كاميراته وينزل للشارع. يصف المشهد الأول بـ"الجهنميّ بكل معنى الكلمة".

يسرد ما هو محفور في ذاكرته من تفاصيل لضياع، هو الجو العام في هكذا لحظات بسبب هول الصدمة يقول: "لقد رأيت سيّدة تمسك بيد كلبتها المغطاة بالدم محاولة التخفيف عنها وبيدها الأخرى سيجارتها المشتعلة وتعابير الصدمة على وجهها".

دائماً ما يُسأل المصوّر الصحافي لم لا يترك كاميرته ويمد يد العون؟ يجيب حسين عن السؤال: "في هكذا ظرف، السيطرة على الوعي أمر صعب يكون المرء في حالة ذهول تامّة". ويكمل: "يوم الانفجار سحبت أحد المصابين من سيّارته، غرز الزجاج في يدي ولكنّي بعدها وقفت جانباً وأشعلت سيجارتي أراقب الفوضى التي حلّت والدمار الذي تشظّى في وجوهنا فجأة، وعصف من التساؤلات في رأسي: حلم؟ انفجار؟ حريق؟ ما الذي يحدث؟"، في هذه اللحظات عانى المصوّر من صراع مع الوعي كما أنّ تقديم يد العون من غير مختّص قد تؤدي للأذى وتعريض حياة المصابين للموت.

في جعبة حسين 900 صورة سلّم الجريدة 20 صورة منها فقط بعدما عاينها، احتراماً منه لأخلاقيات المهنة في ما يتعلّق بخصوصية الأفراد ومشاعر المشاهد. لكن الصور لا زالت محفورة في ذاكرته. يقول بيضون: "أعلم أننّي قد أقبل على مرحلة ينهار فيها جسدي وأنهار معنوياً من هذا الحمل، لكن لا بدّ من إكمال الطريق، عندما أرى الشباب المتطوّع وتكاتف الناس أشعر بأن الخير لم ينته على الرغم من كل ما نمّر به".

غراسيا انطون.. الدرس الأقسى في المهنة
غراسيا أنطون، مراسلة في تلفزيون "المؤسسة اللبنانية للإرسال"، مضى على ممارستها المهنة قرابة الثلاث سنوات. تصف غراسيا بيروت ليلة الانفجار "بمدينة أشباح". شوارع لم يبق منها شيء، مشاهد الدماء، الناجون وتعابير الصدمة على وجوهم. تقول: "كنت أعلم أنّي في طريقي لتغطية انفجار، إلّا أنّي لم أكن أدرك حجم الدمار الهائل الذي أحدثه والذي عاينته من طريق المتن حتى وصولي لمار مخايل. حاولت أن أخفّف عن نفسي صدمتي في السيّارة كي تكون تغطيتي موضوعية لأنقل المشاهد".

بالنسبة للصحافيين الجدد على المهنة، تغطية 4 آب هي درس وُلِدَ من فاجعة. تتحدث غراسيا عن الصراع الذي يعيشه المراسل أثناء تغطيته لهكذا أحداث قاسية، فتروي مشاهد من ذاكرتها: "في مستشفى الجعيتاوي، رأيت أباً يبحث عن ولده كان يصرخ مفجوعاً، لم يمض على زواج ولده أكثر من أسبوعين وجده جثّة إلى جانب جثث من ضحايا آخرين أمام أرض المستشفى، صراخ الناس ورائحة الدم". تضيف: "من الصعب أن نقوم بفصل أنفسنا عنهم وعن وجعهم في تلك اللحظات".

إيمان العبد.. لا مفّر من قسوة التغطية
إيمان العبد صحافيّة دخلت معترك المهنة حديثاً. في اليومين الأولين بعد الانفجار اختارت التوجّه الى مار مخايل والجميزّة كمتطوعة لإزالة الركام وليس كصحافية. فكونها صحافيّة حرّة بإمكانها أن تسمح لنفسها بالهروب من هول الصدمة وتخدير نفسها مبدئياً كي تخوض تجربتها الأولى في تغطية حدث كبير وبهذا الثقل الإنساني المؤلم.

أمام بوابّة المرفأ تقف إيمان مترددة في سؤال أهالي المفقودين الذين توافدوا إلى المكان بانتظار أي خبر يبرد حرّ أفئدتهم، تصف هذه اللحظة "بالقاسية جدًا والمربكة" لا يمكن لها الانسلاخ عن ألمهم ونظرات عيونهم المتألمّة والمتأملّة، لكن مهنتها تفرض عليها الاقتراب.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020