إلى محافظ بيروت وجو رحال: نحن أدرى ببيروت!

آمال شريف

الأربعاء 19/08/2020
أنا ابنة مدينة بيروت الجريحة والنازفة، وقد نشأت وترعرعت في شوارعها وبين أهلها ومحبيها، متجاوزةً إعاقتي التي لم تمنعني يوماً من أن أكون عضواً فاعلاً في المجتمع البيروتي. ولأني عشت كافة أحزان مدينتي وأفراحها، وشعرتُ بكل مآسيها وأتراحها، فحاولت مع كل الغيارى الدفاع عن حقوقها. فترشحت لأجل ذلك لانتخابات بلديتها في لائحة "بيروت مدينتي". وبما أني، ومنذ سنوات عديدة، أعمل على تنفيذ مشروع بالشراكة مع بلدية بيروت لصالح الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان، التقيت بمحافظ مدينة بيروت، السيد مروان عبود، منتصف شهر تموز/يوليو الماضي. فأطلعته على مشروعي وأبلغته كذلك بأن لدي تمويلاً عالقاً في البلدية منذ العام 2018، وكيف وُضعت عراقيل كثيرة أمام مشروعي، فوعَدَني خيراً. ولم أسمع منه شيئاً، كون كل ما يتعلق ببيروت يدخل في دوامة الصلاحيات، بين المجلس البلدي ومكاتب المحافظة. ولأنني لا أنتمي إلى أي حزب، ولا أمتلك أي غطاء سياسي، ولستُ محسوبة على أحد من السياسيين، فإنه من غير الوارد أن أحصل على تمويل من أي جهة رسمية أخرى.

وبعيداً من أي تعصب مناطقي، ورغم أن موقفي هذا قد لا يعجب البعض، فإن أبناء بيروت ينتخبون مجلساً بلدياً، لكن هذا المجلس لا يملك الكثير من الصلاحيات. فيما المحافظ، الذي يفرض النظام أن يكون من خارج المدينة، يملك السلطات التنفيذية. للأسف هذه الطريقة مجحفة بحق بيروت وأبنائها. ومؤخراً، وبعد تعاملي مع المحافظ السابق زياد شبيب، وحالياً السيد عبود، تولّد لدي شعور بأنهم لا يأبهون لشعورنا وأفكارنا نحن أبناء العاصمة.

ولو سلمنا جدلاً بوجوب أن يكون المحافظون من خارج بيروت، فمن غير المقبول أن يقوموا بتعيين أفراد من خارج العاصمة للإشراف على شؤونها، فيما نحن أبناء هذه المدينة المنكوبة على كافة الأصعدة، مستبعدون من تقرير أي شيء يتعلق بها وبتحسين ظروف معيشتنا، علماً أن أهل مكّة أدرى بشعابها.

وأتى قرار المحافظ عبود، بتعيين السيد جو رحال "لمتابعة ملف الأشخاص ذوي الإعاقة"، وكأننا في بيروت قُصَّر، أو لا أحد منّا مؤهلاً لمتابعة هكذا قضية كبيرة تخصنا. لا شيء شخصياً يتعلق بشخصية جو، فأنا حتى لا أعرفه. لكن، وبعدما التقيت بالسيد عبود وأبلغته عن حالة الطرق والمخالفات والعوائق التي رصدتُها وأحصيتُها بنفسي، والتي نواجهها كأشخاص من ذوي الإعاقة في مجالات عديدة، أتى قراره بتعيين جو لمتابعة قضية الإعاقة صادماً لي وللكثيرين من الناشطين في المجتمع المدني وفي مجال الإعاقة تحديداً. فنحن أبناء بيروت، ونعرف المدينة وزواريبها، أكثر من المحافظ وأكثر من رئيس البلدية، لا بل أكثر من كل النواب والوزراء وكل الذين جاؤوا ليقيموا فيها. وقد اعتدتُ أن أجول في شوارعها وأصوّر أبنيتها. أحياناً أسير مستخدمة العكاز، وأحياناً أخرى أستعين بكرسيي المتحرك.

استبعادنا مؤلم ومؤذٍ في آن. فبدلاً من أن يكلّف المحافظ شخصاً من خارج العاصمة، وخبرته في مجال الإعاقة لا تزيد على السنتين، وهو ينتمي إلى تيار سياسي معروف ويرأس جمعية إعاقة مسيسة، كان عليه بالأحرى أن يختار شخصاً من العاصمة من ذوي الإعاقة، يشكّل ويترأس هيئة من أفراد من ذوي إعاقات متنوعة، مطلعين على قضايا الإعاقة من جوانب عديدة وبعيدين من السياسة والتسييس، وألا يحصر هذه القضية الحساسة في فرد واحد.

وما يثير المزيد من الدهشة والاستياء، ما نشر في "المدن" بتاريخ 17 آب2020، حيث أوضح محافظ بيروت، القاضي مروان عبود، أنّ "تعيين جو رحال جاء ليساعدني كمحافظ على التنسيق مع قيادة الجيش، لكونه ابن شقيقة العماد جوزف عون، ليساعدني ويساعده". وهنا لا بد لنا من طرح تساؤلات حول هذا الكلام الصادر عن سعادة المحافظ. هل السيد عبود عيّن جو فقط لأنه ابن شقيقة العماد جوزف عون؟ هل قائد الجيش لا يجيد التعامل الا من خلال ابن أخته؟ ما هذه الحالة التي وصلنا إليها؟ هل يعقل أن يتم تعيين شخص في منصب فقط لأنه ابن شقيقة قائد الجيش؟ أين المؤهلات المطلوبة؟ وما هي الخبرة والمعرفة التي يمتلكها هذا الشخص ليؤتى به من خارج بيروت؟ وما هي الضمانات التي تكفل عدم استغلاله لهذا المنصب لتنفيع جمعيته حصرًا ودون سائر الجمعيات؟ هل يرتضي قائد الجيش هذا التعيين؟

أسئلة كثيرة محقة وعادلة يحق لنا طرحها، خصوصاً أننا نحن من لا قائد جيش لنا في الدولة، ولا وزير داعماً لنا، ولا غطاء سياسياً يعطينا ويشرّع تسهيل تعييننا وتمويل مشاريعنا كما يحصل في كل الأموال التي تصل الى الجمعيات والمبالغ الكبيرة التي يحصلون عليها، فيما المشاريع الجدية لا تحصل على شيء، وإن حصلت، فعلى الفتات مع عراقيل كثيرة ومماطلة وتسويف. أيضاً وأيضاً، نقلاً عن المقال نفسه: "يؤكد عبود أنّ القرار لم يعد ساري المفعول". فإذا كان هذا الأمر صحيحاً، ألا يستوجب ذلك إصدار قرار رسمي بإبطال القرارات السابقة؟

سأتوجه بكلامي هذا إلى جو رحال، وأود أن أوضّح بعض النقاط. لقد قرأت ردّك على تغريدة السيدة شنتال سركيس، والتي لم تأت على ذِكر إعاقتك نهائياً، ومع ذلك خاطبتها بقولك "أبعدوا أحكامكم عني واحترموا تحدياتي ونضالاتي". للأمانة، وصلتني رسائل كثيرة عبر "واتساب" لصور تنتقد تعيينك وتسليمك مهام تتطلب اختصاصيين مدركين لكافة جوانب الإعاقة ولديهم خبرة في موضوع الكوارث والإغاثة، ولهم باع طويل في عمليات الإنقاذ. لم يتعرض أي من هذه الصور التي وصلتني بأي انتقاد لإعاقتك او باعتراض على تعيينك لكونك من ذوي الإعاقة. لكن الانتقادات كلهت، صبّت في مكان آخر، وتتعلق بالخبرات والمعرفة، فضلاً عن الاطلاع الواسع على قضايا الإغاثة. ولو مسّ أحد ما بإعاقتك، لكنتُ أول المدافعين عنك. أما الانتقادات التي طاولتك في ما يتعلق بالتيار السياسي الذي تنتمي إليه، وهنا أتحدث عن انتمائك إلى جبران باسيل، فعليك أن تعرف أن ما بعد 17 تشرين ليس كما قبله، وما بعد 4 آب أيضًا ليس كما قبله. فالناس في هذا البلد أصبحوا متخمين بالأذية التي سببها المنتفعون والمحاسيب والموالين.

وقضية الإعاقة التي تجمعنا، كوني أعاني شلل الأطفال منذ عمر السنة، لا تحتمل الانتماء السياسي. ولقد كسرت بانتمائك السياسي، قاعدة طالما حرصنا عليها، نحن الناشطين في مجال الإعاقة، وهو إبقاء هذه القضية الإنسانية بعيدة من السياسة والانقسامات الحزبية. لذا، يجب أن ننأى جميعًا بأنفسنا عن كل ما يحصل من خلافات وانقسامات، لأن أكثر ما نحتاجه اليوم هو تأمين حقوقنا كأفراد على كافة الأصعدة. وصدقني، يا جو، أنه أمام كل منا تحدياته ونضالاته، ولا يجب أن نزايد على بعضنا البعض في هذا المجال. فالذهاب إلى المدرسة أو الجامعة هو نضال، والعمل هو نضال، وكلنا واجهنا أموراً كثيرة قد تبدو للبعض سخيفة وتافهة، لكنها تعني لنا الكثير. ومواجهة الحياة ومجابهة تحدياتها هي طبيعة بشرية يتمتع بها الأشخاص ذوو الإعاقة، أسوةً ببقية مكونات المجتمع. وأخيراً، لكل منا إعاقته، ومعها تأتي التحديات والنضالات، لكن المهم أن نعمل لغيرنا وكأننا نعمل لأنفسنا.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020