تسجيل خروج من اللعبة

إيناس عزي

الثلاثاء 09/03/2021
الوقت الوحيد الذي يتوقف فيه أولادي عن الكلام، الشجار، الضَحك، والصخب، هو اللحظات التي تسبق النوم. يُوقفهم شوبان، باخ، بيتهوفن، وآخرون، وكأن عصا سحرية قد امتدت ولمستهم، لِتتمكن تلك المقطوعات المذهلة مما نفشل فيه غالباً.


غيوم كثيفة تحجب النجوم في السماء. لم تَعد الكهرباء بعد. ظِلالٌ مختلفة للظلام، ولا فرق بين الأرض والسماء سوى بضع نقاط مضيئة شاحبة تتناثر هنا وهناك.
عِواء كلاب جائعة يقطع هذا الصمت الثقيل والمؤلم لمكان يبدو خالياً من البشر، ولا تسكنه سوى الريح.

الواحدة بعد منتصف الليل، تعود الكهرباء، نُشغل التّلفاز، نتنقل بين الأمكنة، يغفو زوجي سريعاً بعدما قضى ساعات طويلة ليملأ سيارته ببضعة ليترات من البنزين.
وحدي أُصغي لأصوات آتية من المريخ! كم هو مدهش هذا الفضاء الممتلئ بالأسرار، يدور بنا بلا ضوضاء، وكلما فكرنا فيه أكثر، ازددنا عجزاً ورهبةً وصمتاً.

"مشقة رهيبة ومرارة قاتلة
أن يحمل المرء في داخله إعصاراً من المشاكل
بينما في الخارج يسود صمت كصمت الموت، وإرادة عنيدة ترفض أن تجيب علينا أبداً". فاوست، لناو.

بموازاة صمتنا وعجزنا أمام هذا الظلام الكوني الفسيح المحيط بنا، كما البشر جميعاً، نحن أيضاً محكومون هنا بالصمت والخوف في هذا المكان، راضخون لما حدث ويحدث وكأننا بلا إرادة. في هذا المكان البارد والمُعتم، الفقير والجائع، الغارق في الجريمة والعنف والفساد، الآخذ في تشويهنا وتمزيقنا.

في انتظار الكهرباء، ليس أمامنا سوى الجلوس ساكنين مُستسلمين لقوة بشرية تتحكم في تفكيرنا، أمزجتنا، نومنا ويقظتنا في اتصالنا بالواقع وفهمنا له... علينا أن نجوع ونكذب أيضاً "سنشتري كُلّ ما تريدونه حين تتحسن الأحوال"، هذا ما نُخبر به أولادنا من دون أن ننظر في عيونهم، علينا أن ننتظر حتى تضيء هواتفنا لِتخبرنا أن بإمكاننا الحصول على بضعة كيلوغرامات من الرز والسكر، علينا أن نُغادر عندما نَسأل عن الأسعار ونتحسس جيوبنا لنكتشف أننا لا نمتلك ثمن فردة حذاء يُدفىء أقدام أولادنا الصغيرة.

نحن مُدرّبون على الصمت منذ نعومة أظفارنا، في المدرسة، في الجامعة، في العمل، في دوائر الدولة، حتى في بيوتنا.
مُجبرون أن نكتم دموعاً تَحرقنا ونحن نقرأ "القوقعة" ونسمع لُهاث "أبو سعيد" وراء أولاده: أولادي يا جماعة أولادي!!!
علينا أن نصمت تماماً عندما نسمع أحدهم وهو ما زال يدافع عمّن أوصلنا لهذه الهاوية السحيقة، لأن الكلام صار نوعاً من العبث والتفاهة.
ولا بد أن نكتم الشوق الذي يَخِز صدورنا أحياناً لإخوة وأبناء تركوا هذا المكان منذ سنوات مُجبرين.
علينا أن نُخرِس القلق الذي يَأكلنا من الداخل، القلق من الغد، هل بإمكاننا المتابعة في هذا الجحيم؟ إلى متى هذا الصمت؟ ما الذي نَنتظره بعد؟ ما الذي ينتظرنا؟
وهل سننجو؟

حسين شمص، الذي انتحر في المهاجرين بدمشق منذ أيام، ترك صورة أخيرة "ضوضاء تحت القبر"، ولعلها أكثر الصور التي تشبهنا.
لأنّه لا بد لهذا الصمت الطويل أن يخرج من أجسادنا.
حسين ليس الأول، سبقه الكثيرون، حسين ابن الثامنة عشرة قرر "تسجيل الخروج من اللعبة" هذا ما كتبه في فايسبوك قبل ساعات من خروجه.
حسين ليس الأول ولن يكون الأخير الذي يغادر هذه الغابة المظلمة.
"إن هذا الشر كله لا يمكن أن يؤدي إلى خير
تحطم أيها القلب فلا بد أن ألزم الصمت".
لم يصمت هاملت كثيراً، وكان لا بد من دماء في النهاية.

تدور بنا الأرض في ظلام كوني لا منتهٍ من دون ضوضاء نسمعها، ندور معها ونسأل، كم سيدوم صمتنا؟
في اللحظات التي سبقت غرق "تايتانك"، وأثناء تدافع الرُكاب للنجاة بأرواحهم، استمر بضعة موسيقيين في العزف ليتمكنوا من النجاة، بطريقتهم.
أستَمِعُ إلى شوبان كل ليلة لأكتم رغبة قوية في الصراخ، ولأنجو ولو قليلاً من هذا الصمت.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021