انفجارات لبنانية في سوريا

عدنان نعوف

الأربعاء 09/09/2020
بطريقةٍ مشابهة أو مختلفة عما جرى في بيروت قبل شهر، علينا أن ننتظر في سوريا انفجارات من النوع ذاته. وكلمةُ "نوع" هنا لا تعني كارثة تَنتُج عن تخزين نترات الأمونيوم أو مادة كيميائية مماثلة بالضرورة، وإنما سيكون المجال مفتوحاً لحصول انفجار أو تسرّب أو تفشٍّ، وذلك عقب وقوع حادث أو تغيُّر ما يَطرأ على إحدى بُؤرِ استباحة البشر.

ليس في الأمر تنجيم أو توقُّع، فسوريا ولبنان متشابهان، وحتى إنْ لم تلتحق "الدولة السورية" بنادي "الدول الفاشلة" رسمياً، فإن البلدَين في النهاية ينتميان إلى العالم الثالث، حيث مَخازن ومَطامر المواد الخطرة والمميتة، سواء لأغراض عسكرية، أو لاحتضان نفايات العالم المتقدم.

يُضاف إلى ذلك كَون هذه البقعة الشرق أوسطية (بعيداً من القِسمة الثنائية: شعب، نظام) ببُنيَةِ مجتمعاتها، وبالتشابك مع أنظمتها، تستطيع حماية "الموت" من "الحياة"، فقد أتقنت عبر الزمن، الحَطّ من قيمة الإنسان، تحت عناوين ومفاهيم "التكيّف"، و"المقاومة"، و"الاستشهاد في سبيل س أو ع"، و"أولوية المقامات الرئاسية والدينية، وحُمَاة النوع القومي والطائفي على حقوق الناس". كل ذلك معطوفاً بالطبع على أثر الخوف المُقيم، نتيجة عقود القمع والتنكيل، والتي أكسبت هذه البلاد البائسة مناعة ضد التغيير والخلاص.

لكنّ مَنَاعَتنا هذه انتقائيةٌ جدّاً، فهي بالمقابل لم تَصمُد أمام الكورونا، مثلما رأينا. وبالتالي ستكون هشّة أمام أشكال الموت الأخرى الجرثوموي والكيميائي، وسواها. 

وفيما عَرَفنا متأخّرين بوجود شحنة النترات في مرفأ بيروت، فإننا بالمقابل لا نعرف أين توجد مخازن باقي المُركّبات المُعدّة لأغراض مدنيّة أو عسكريّة، والقادرة على القتل اليوم أو غداً أو بعد أعوام!. 

هذا في لبنان. أما في سوريا فالتفاصيل لا تقلّ رعباً، أو تزيد. فلدى نظام الأسد تجربة في صناعة واستيراد وسائل الموت غير التقليدي والعبثي، حيث يمتلك ترسانة أسلحة كيميائية تضمّ أكثر من 1000 طن من هذه المُركّبات، بحسب تقييم استخباراتي فرنسي نُشِر في 2013.

وبالنسبة لمَواقع التخزين، فإنّها تنتشر في حوالى 50 مدينة سوريّة. أما المعامل، فهي مَحمية أيضاً بنُدرَة المعلومات، ويُعرَف منها مُنشآت في "الضمِيْر" و"أبو الشامات" بريف دمشق، و"فرجلس" بريف حمص، وتتلخص مهمتها بتطوير المواد الأولية التي تدخل في إنتاج غازات السارين والخردل وغيرها. علماً أن بقية وَحدات التصنيع ومخزوناتها أُعلِنَ عن تدمير قسم منها تنفيذاً لصفقة "أوباما- بوتين- الأسد" التي أعقبت مجزرة الغوطة.

لكنْ مهلاً! هل هناك ما يُخيف، سوى استخدام قوات النظام لتلك الأسلحة عن عمد؟ أليست هذه المواقع خاضعة لأجراءات السلامة؟ 

نظرياً التدابير موجودة. أما عملياً فلا يمكن الجزم بنَجاعة الاحتياطات، في ظل احتمالات وقوع حوادث بأيدٍ بشرية، أو بفعل عوامل الطبيعة. ولا ننسى أنّ تلك المنشآت تقع في مرمى الطيران الإسرائيلي (بالتوازي مع كونها في مرمى إجرام أو استهتار أحد المشرفين عليها)، وهي مُعرّضة لضربة روتينية أو استثنائية في أي وقت. كل ذلك بالتوازي مع أنشطة مختلفة لميليشيات وقِوى، يأتي على رأسها "حزب الله"، تجعل من الصعب التكهن بالنتائج الكارثية للُعبة تصفية الحسابات على الأرض السوريّة.

إذاً فبذور الجرائم الكبرى - التي بحجمِ أوطان - تتنوع وتتوزع. وفي حين يُشكّل بعضها قنابل موقوتة قابلة للانفجار وإراقة الدماء، فإن البعض الآخر يَعمل كقاتل صامت أقلَّ إثارةً للهلع.

ومثالهُ الأوضح في سوريا هو النفايات النووية المدفونة في بادية تدمر، منذ فترة الثمانينات حين قام عبد الحليم خدام؛ أحد أركان النظام الأسدي، بلعِب دور المقاول، وإدخال هذه النفايات لتُدفَنَ في الأراضي السوريّة. ومما تكشّف عن العملية أنها حققت لـ"أبي جمال" مكاسب مادية، ولحافظ الأسد أهدافاً سياسية تمثلت بتوطيد العلاقة مع المخابرات الإيطالية (المقربة من منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك) إذ أنّ الأسد سعى لاستمالتها وإبعادها عن المنظمة في تلك المرحلة. أما الطرف الآخر للصفقة حينذاك فكانَ - بحسب تحقيق صحافي نادر اختفى من التداول فيما بعد- شركةً إيطالية تعمل كمتعهد للمفاعلات النووية، وتتولى تصريف المخلفات. 

ولعلّ ما يستحقّ التأمل هو حقيقة أنّ السفينة الناقلة للحمولة والتي وصلت ميناء طرطوس (في أيار من العام 1987) كانت قد قوبلت بالرفض سابقاً من قبل جيبوتي وفنزويلا، ليتم البحث عن مقبرة لتلك النفايات في بلد آخر! 

ورغم صدور بيان في وقت لاحق عن أبناء خدام، يَزعُم إعادة تلك "البضائع" النووية إلى مَصدَرها، عن طريق رجل الأعمال السوري محمد طبالو (المتهم بكونه طرفاً في العملية)، فإنّ معطيات ودلائل عدة تقاطعت لتؤكد أن البادية السوريّة ما زالت تحتضن تلك الحمولة النووية المسببِّة للأمراض السرطانية والتشوهات الولادية، ليَجِدَ الناس أنفسهم وهم يتأقلمون تدريجياً على العيش إلى جانب "شيطان" آخر يَجهلون ملامحه.

نُدركُ أننا لا نعلَمُ الكثير، فنخاف. ذلك أنّ مَعرِفَتَنا بما يقتلنا لا تكتمل، إلا حين نموت به! هذا هو حالنا في بلاد "خدّام النووي"، و"بشّار السارين"، و"حسن الأمونيوم"، و"علي الكيماوي"(وزير الدفاع العراقي السابق)! وإذا حَلُمنا بأن تصبح هذه البقعة من العالم صالحةً للعيش، فيجبُ أولاً أن نَضَعَ أحزاب "أشرف الناس" و"أنبل البشر" وقِوى التحرير والوحدة، في متحف الكائنات المنقرضة. وعلى جماهير "المعارك الوجودية"، و"الانتصارات الإلهية" أن تَعي أيضاً أنّ "قهرَ الأعداء" يبدأ من حصولها على حق دخول المشافي في أوطانها، عند المرض. وأنّ نجاتنا غير مرتبطة بانتماء الزعيم أو لونه الطائفي، أو قدرته على إعادة تدوير ثأرنا وانتقامنا.

سنستيقظُ يَوماً ما، لنُشاهد سحابة دخان في سوريا على شكل فِطر، مادةً صفراء سامة تنتشر في الهواء، أو مَوتاً متسارعاً لأشكال الحياة في منطقة ملوثةٍ إشعاعياً. حينها سنأملُ ألّا يُصابَ أهلنا المدنيوّن بأذى، وألا تُعطِّلَ "نرجسيّة الصمود" قُدرة الحَدَث على تفجير الوعي ولو جزئياً.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020