رامي وريم حنّا قتلا "الكاتب"

بتول خليل

الإثنين 20/05/2019
راهن كثيرون على نجاح مسلسل "الكاتب" قبل بدء عرضه الذي تقرر بداية شهر رمضان الحالي، وذلك استناداً إلى تألّق الثلاثي باسل خياط ودانييلا رحمة والمخرج رامي حنا، العام الماضي، في تجربتهم الدرامية المشتركة الناجحة "تانغو"، والتي ساهمت مختلف العناصر حينها بجعلها مبهرة ومميزة. 

وعلى عكس الوقائع والمجريات التي ظهرت في مسلسل "الكاتب"، كان رامي حنا قد تألّق، وبالتعاون مع إياد أبو الشامات،  في إخراج "تانغو" وتقديمه كعمل درامي متجانس ومتكامل، تناغمت فيه الصورة والنص والموسيقى، وتظهّرت فيه ملامح الشخصيات ضمن قوالب وأطر وهوامش تم تحريكها وإخراجها ببراعة لافتة، الأمر الذي وضع "تانغو" في مقدمة المسلسلات الناجحة في الموسم الرمضاني الماضي.

منذ الدقائق الأولى، بدا مسلسل "الكاتب" مهزوزاً على أكثر من صعيد ومستوى، ما جعل التعامل مع إدارة الشخصيات يبدو كعمل يؤدّيه هواة مبتدئون، حيث تظهر حركة معظم شخصيات المسلسل وأحداثه كما لو أنها وجهان مختلفان لعملة نقدية تدور حول نفسها، أحدهما يأخذ شكلاً في غاية السطحية والسذاجة، فيما يأخذ الآخر شكلاً غاية في العمق والتعقيد، جاعلاً الشخصيات غير قادرة على المناورة والمواكبة التصاعدية والتنازلية المرنة، ما جعلها تبدو وكأنها تسير في حركة تناقضية استطرادية طوال الوقت.

وبالرغم من الانتاج المميز والتصوير الرائع وحركة الكاميرا وكادراتها الاحترافية بشكل مذهل، والاختيار الممتاز لأماكن التصوير وتصميم الملابس والتسريحات والمكياج، إلا أنّ رداءة النصّ، التي قاربت المهزلة، ألقت بظلالها على العمل ككل، وأمسكت بتلابيبه جاعلة إياه يتداعى نحو الهاوية، آخذاً في طريقه كلّ جمالية أو إيجابية ممكنة ظهرت فيه.

تدور أحداث المسلسل حول كاتب ذائع الشهرة والصيت، له باع طويل في أدب الجريمة وكتابة القصة البوليسية، يدعى يونس جبران (باسل خياط)، يجد نفسه فجأة، المتّهم والمشتبه فيه الأول في جريمة قتل تُشبه أحداثها إلى حدٍ كبير جريمة نسجها في خياله، وأورد تفاصيلها في إحدى رواياته، ليسوق إليه القدر محامية تُدعى مجدولين (دانييلا رحمة) تطوّعت للدفاع عنه ومساعدته في إثبات براءته، كونها واحدة من المعجبات به والمؤمنات بحتمية براءته، لتتحول العلاقة بينهما لاحقاً إلى حبّ متوهّج العواطف.

حنّا الذي رفع سقف التحدي عالياً كونه اختار خوض غمار إخراج مسلسل تلفزيوني يرتكز إلى قصة بوليسية من المفترض أن تقوم مكوناتها على التشويق والغموض والذكاء والحنكة والدهاء في كل مجريات ومجمل تفاصيلها على مدى حلقاتها، قدّم لنا إثارة مفتعلة وأفقد المشاهد أيّ إحساس بالمتعة من خلال عدم قدرته على تأجيج الحدس التحليلي المنتج لطرح الاحتمالات المتعددة، كونه محا الفارق بين الغموض البنّاء والإبهام العبثي. وهو ما تجسّد في مجمل عرض وقائع القصّة التي زاد في طينها بلّة سيناريو وحوار شقيقته ريم حنا، الذي يضحك الأطفال من سذاجته وهشاشة تركيب جمله، ما جعل العمل ينحدر إلى مستوى المهزلة الحقيقية في كثير من المشاهد.

في "الكاتب" بدا باسل خياط ودانييلا رحمة كما لو أنهما عاجزان عن تجسيد بطلي القصة، وذلك رغم ما هو معروف من قدراتهما التمثيلية الاحترافية. فقد بدا خياط في معظم مشاهده مترنّحاً وكأنه يرتجل دوره، بلا أي ضبط أو توازن أو إمكانية للسير على نمط محدد، إن كان في حركاته أو تعابير وجهه أو إيماءات جسده ويديه وحتى في أسلوب نُطقه وتعابير صوته. ومع أنّ دانييلا رحمة بدت أكثر اتزاناً وإقناعاً في بعض المشاهد، إلا أنّ القصة ومجرياتها لم تسعفها على الإطلاق لإظهار موهبتها التمثيلية التي لا شك في امتلاكها لها.

لا يتّسع المجال لعرض سقطات السيناريو ولا لنقل اقتباسات تُقارب الهزلية من بعض مقاطع الحوارات، إلا أنّ أيّ مشاهد لن يخطىء التعرف عليها وملاحظة مدى ركاكة وهشاشة القصة ومكوناتها وحوارها، ولن تخطىء عينه الأداء المضطرب، بل أن المَشاهِد في المسلسل تزخر بمقاطع تُظهر كما لو أنّ الشرطة والقضاء يفتقدان للحدّ الأدنى من الذكاء والسير في إجراءات التحقيق والملاحقات القانونية البديهية، إذ يظهر مُقدَّم الشرطة الذي يترأس التحقيق في القضية ومساعده كشخصين في غاية البلادة والغباء، تحكم عملهما وتفكيرهما إما نمطيات جامدة وإما احتمالات عشوائية ومزاجية، وتُسيّر فكرهما الشكوك المتضاربة، خصوصاً من خلال إظهار مدى سهولة إلقاء التهمة بالقتل ورميها جزافاً على أي شخص يُطلب للشهادة أثناء التحقيق في مجريات الجريمة ومسبباتها.

من نافل القول أن القائمين على مسلسل "الكاتب" عجزوا عن إدارك كيفية التعاطي والتعامل مع قصة لها هذا الطابع الجُرمي والبوليسي الدرامي، وطبيعة ما تقتضيه من أدوار وشخصيات مركّبة ومعقّدة. لذا، فإنّ العمل ظهر كمولود هجين لا هوية ولا شكل محدد له، ما جعله كمهرّجٍ تملأ وجهه الألوان والمساحيق، يرتدي حلّة غريبة المظهر، ويدور حول نفسه دونما وجهة أو هدف، فحار الجمهور بين أن يضحك على سخافته أو يبكي على خيبته.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019