رصاصة طائشة

زياد توبة

الإثنين 22/05/2017
اعتدنا في الآونة الأخيرة، وهي فترة طويلة، تناول أخبار عن سقوط ضحايا الرصاص الطائش وغيرهم من الضحايا التي تتوارد أخبار موتهم يومياً. يكاد يتوزع الرصاص بالتساوي على مناطق مختلفة من لبنان، وبالتالي يتوزع الموت في المشهد العام حتى لا يكاد يوفّر أحداً من الناس على اختلافهم.


الاختلاف هنا لجهة التنوع الطائفي ولجهة السكن في ظل السلطات القائمة بإمساك "أمن" هذه المناطق، وهي سلطات ميليشياوية توزّع في ما بينها، الدولة ومؤسساتها وأجهزتها ومناطق النفوذ. تحكمنا هذه السلطات، تارة عبر أجهزة الدولة ومؤسساتها، وطوراً عبر مسلحيها وأدواتها، حتى يبقى الأمن المفترض رهن إدارتها وتدبيرها، لتشكّله على هيئة منحة تقدمها للناس العاديين.

في ظل هذه القسمة يسود العنف اليومي الناتج عن تنوع مصادر السلطات التي تؤمن غطاءً للعنف ومجرياته، بل ترعاه حتى استدراجه إلى مؤسساتها التأديبية، حيث يتم تسويغ الجريمة عبر الطمس. ويأخذ العنف أشكالاً مبتكرة على الدوام، طالما أن ثمة خطاباً ينتجه ويسوّغه ويحيله إلى آليات الضبط التي تعتمدها سلطات المنظومة الحاكمة.

يتخطى العنف المذكور، الحروب الأهلية، ويذهب في اتجاه الحروب الصغيرة المستدامة: حروب فردية تبدأ وتنتهي وتستأنف في نهار واحد. حروب لا تراكم في المشهد آثار دمار، بل تراكم أضراراً معنوية تجيّرها المنظومة عبر خطابها لصالح فهمها عن الحكم وإدارة البلد. وتنمّي السلطات عنفها عبر التجزئة، فتصدّر كل يوم مشهداً قوامه الموت المجاني. يسقط الناس ضحايا المشاكل الفردية والجرائم التي تنتفي عنها الدوافع الكلاسيكية، كالسرقة مثلاً، كما يسقط الناس جراء رصاص متنوع المصادر: الابتهاج المجرّد، الحزن الخالص، الفرح المفرط، الخطابات السياسية، المناسبات الإقليمية والدولية، ورصاص تجريب أسلحة السلطات نفسها المتروكة في أيدي رجالها.

عند سقوط كل ضحية يطفو على السطح خطاب "الرصاصة الطائشة". هذا الخطاب الذي يغلّف الجريمة ويهذّبها. فتبدو الرصاصة هنا مفكّرة وتتعقّل هدفها فتعدل عن قتل الناس أو تُقدم على قتلهم، وكأن الرصاص يحدد أهدافه من تلقاء نفسه. كما أن الطيش المقصود هنا يحيل إلى الرصاصة ويخفي الفاعل/القاتل، فتحسبُ الرصاصة فاعلاً مستقلاً، في حين يتوارى الفاعل خلف خطاب سلطته المحلية، الرسمية أو الميليشياوية أو الاثنين معاً، ويختبئ خلف "الرصاصة الطائشة".

لا يصحّ وصف الرصاص بالطيش ولا حتى بوصف الفاعل وكشفه. فالطيش سمة السلطات الحالية الحاكمة. لطالما قصدت السلطات أن توزّع الأدوار في ما بينها لترسيخ خطاباً قوامه الأمن الممسوك. لكن هذه السلطات، الرسمية والميلشياوية منها، تستثني من خطاب الأمن الممنوح للناس، كل ما ذكرناه من حروب صغيرة تجري يومياً من حولنا، إذ أن خطابها يبرر منحته الأمنِيّة عبر مفهوم القضايا الكبرى، فالأمن بمفهوم السلطات: الأمن الاستباقي خارج الحدود، الأمن الداخلي القائم على السؤال: "عارف حالك مع مين عم تحكي؟"، أمن الاستعراض في الكشف عن العنف المرتّب، أمن المنظومة من أي إعتراض. أمن المقاهي الممسرح.

وفيما تروّج المنظومة خطاب الأمن والأمان، لا تلحظ اعتراضاتنا ومعاناتنا اليومية من قضايا الموت الناجم عن "حوادث فردية". التجزئة والتفرقة بين الحوادث، مرعياً بآليات الكم التي يعتمدها خطاب المنظومة حول الأمن. فالترويج للطيش في مشهد العنف المركّب على أيدي أرباب السلطات، يقيم سداً بين الفاعل والضحية، وينزع الطيش المنظّم عن السلطات ويلصقه بكتلة النحاس الصغيرة المسمّاة "الرصاصة الطائشة". فلا تصبح الرصاصة فعلاً وفاعلاً طائشاً فحسب، بل تصبح الضحية اليومية وكأنها ماتت بالصدفة.

عند هذا الحد نصبح في إطار تأسيس خطاب جديد: "العيش بالصدفة". هذا الخطاب الذي يبرر وجودنا في ظل أمن ممنوح كهدية لنا بالجُملة، ونحن نموت بالمفرّق.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020