نادين لبكي.. ماري أنطوانيت التنمية المستدامة

يارا نحلة

الإثنين 18/05/2020
في جعبة المخرجة اللبنانية نادين لبكي، سلّة جاهزة من الحلول السحرية لكافة المشاكل والأزمات، مهما إستعصت: طائفيةٌ على وشك إشعال حرب أهلية بين رجال الوطن؟ لا بأس، إعثروا لهم على بعض النساء والحشيش. حلقة الفقر المدقع تسحق حيوات كاملة؟ بسيطة جداً، فليكّف الفقراء عن جلب الأطفال. أما الإنهيار الإقتصادي الشامل الذي أفضت إليه عقود من الفساد وسوء الإدارة وغياب المساءلة؟ فهذه المعضلة سهلة أيضاً، والحلّ لا يكون سوى بزراعة الشتول والخضار تجنباً للموت من الجوع.


كان ذلك آخر إسهامات المخرجة التي تمّ ترشيحها إلى الأوسكار، فأطلّت علينا قبل يومين بحملة وطنية تروّج للزراعة كوسيلة لمجابهة الأزمة الإقتصادية التي تغرق فيها البلاد. أطلقت لبكي هذه الحملة عبر مواقع التواصل الإجتماعي في فيديو يجمع، وفق المخرجة، "معظم المبادرات الزراعية المستدامة"، إلا أنه في الواقع يضمّ أشخاصاً لا يتعدّون كونهم مشاهير أو "مؤثرين" influencers في السوشال ميديا من ذوي الحضور الكفيل بجلب المشاهدات. ومن بين هؤلاء، ممثلون وكوميديون وإعلاميون، والحقيقة أنه لم يكن ينقص الحملة سوى بعض الوجوه السياسية لتكون معبّرة عن "النخبة" اللبنانية التي تطمح لبكي إلى تجسيدها في هذا الفيديو.

باختصار، إجتمع قرابة ثلاثين فناناً لإنجاز مقطع فيديو هدفه توعية الناس على أهمية الزراعة وإنتاج المواطن للمواد الغذائية التي يحتاجها من خضار وأجبان وألبان. لن نخوض هنا في القيمة الفنية والمستوى الأدائي لهذا لفيديو "زريعة قلبي"، إذ يكفي القول بأنه يفتقر إلى الإبداع والأصالة والعفوية، بدءاً من إستعادته لأغنية قديمة كانت قد ظهرت في أحد أفلام لبكي (هلق لوين؟) لكن مع تعديل في الكلمات. أما في ما يخص الدعوة التي يحملها هذا العمل، فهي تكشف عن سذاجة المنطق اللبكي الذي ينصِّب نفسه واعظاً للناس من دون أن يكون على إلمام فعلي بالأوضاع والأزمات التي يطرح نفسه خبيراً فيها.

لقد إتخذت لبكي دور الواعظ سابقاً حين نهت الفقراء عن التكاثر، من دون أن تلتفت إلى آلية عمل الفقر كحلقة تعيد تدوير نفسها. أما اليوم، فهي تنصح هؤلاء الناس أنفسهم بزراعة أراضيهم وشرفاتهم وصنع أجبانهم من دون أن تلتفت إلى حقائق بسيطة مثل ان هناك من هو معدوم إقتصادياً لدرجة أنه لا يملك مأوى، ناهيك عن أرضٍ يزرعها. كما غاب عنها أن المزارعين المحترفين يعانون الأمرّين بسبب إهمال الدولة للقطاع الزراعي، ما يؤدي إلى تكبّدهم خسائر تحول دون قدرتهم على إستثمار الأراضي، فما بالك بالمواطن العادي؟

وغاب عن العمل ان هموم اللبنانيين تتعدّى مسألة الجوع، وطموحاتهم لا تقتصر على تأمين الغذاء. والسؤال الاهم: هل تعي لبكي أن كلفة شراء بقرة واحدة من أجل صناعة "الجبنة واللبنة" المنزلية، التي تتغزّل فيها الأغنية، تفوق القدرة الشرائية لمعظم المواطنين اللبنانيين؟ 

جهل لبكي بالمجال الزراعي، كان واضحاً بالنسبة للمشاهدين الذين إنهالوا عليها بتعليقاتهم الساخرة، وبدت كأنها ماري أنطوانيت معكوسة، أي نسخة برامج التنمية المستدامة، وبدلاً من "كلوا البسكويت".. "إزرعوا لتأكلوا"! وتساءل أحدهم إن كانت لبكي على دراية بأن "المزارعين ما معن ياكلوا او يشتروا مياه حتى يسقوا الزرع"، وقال آخر "مفكرة الزراعة ببلاش" وتحدّث البعض عن أسعار المبيدات الباهظة وعن حاجة الأرض إلى "فتّ مصاري". وقد تطرقت بعض الإنتقادات إلى "طبقية" لبكي وإنفصالها عن الهموم الفعلية للطبقات التي تنظّر حولها فسأل أحد أفرادها: "اذا زرعنا نعنع وبقدونس من وين منجيب حق اللحمة وقسط المدرسة وفواتير الكهربا والتلفون؟".. وربما لا يُستغرب أن تردّ لبكي على هكذا تساؤلات بالقول: ".. وما حاجتكم إلى ذلك كله؟"

والحال أن المخرجة التي لا تلبث تخلع عنها قبعة الفنانة، حتى ترتدي نظارات عالمة الإجتماع، قبل أن تقفز إلى شخصية الناشطة السياسية، عوّدتنا على مستوى سطحي وواهم من المقاربات الإجتماعية التي تفضي إلى حلولٍ واهية تتنكّر خلف النوايا الحسنة.

ولعلّ أكثر ما يسطّح هذه المقاربة اللبكية للقضايا الطبقية، هو إنكارها للعامل الطبقي ودوره في تشكيل التجارب الإجتماعية، وبالتالي إنكارها للإمتياز الطبقي الذي تتمتّع به شخصياً وما يستلزمه هكذا إمتياز من تفكيك ونقد كان من الأجدى أن تمارسهما مخرجتنا المرموقة قبل أن تطلّ علينا بآرائها وتوجهاتها النخبوية. أخيراً، تكرّر مخرجة فيلم "كفرناحوم" إسقاط المسؤولية على عاتق المواطن، بدلاً من النظام الذي تدّعي التمرّد عليه، غير أنها تثبت، المرة تلو الأخرى، مدى تأصّله فيها ومدى تماهيها معه.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020