"من روسيا مع الحب والقنابل"!

وليد بركسية

الإثنين 06/01/2020
في شهر أيلول/سبتمبر الماضي، أطلق مغني الراب السوري أمير المعري من داخل محافظة إدلب، أغنية غاضبة بعنوان "ع كل الجبهات"، وصف فيها حال السوريين ومعاناتهم في ظل القصف المستمر من قبل النظام السوري وروسيا على المنطقة، وما نتج عنه من نزوح الآلاف وحرمان الأطفال من التعليم. وشكلت الأغنية مصدر إلهام للمغنية الروسية ماري ماريسول، التي ردت مؤخراً بأغنية هاجمت فيها سياسة الكرملين في سوريا.

الأغنية الجديدة تحمل عنوان "من روسيا مع الحب والقنابل"، وتتحدث عن الدمار الذي خلفه قصف الطائرات الروسية في إدلب، بالإضافة إلى معاناة المدنيين إثر الهجوم الروسي. وتحمل كلماتها التي ترجمت ضمن فيديو كليب الأغنية الى لغات عديدة من بينها العربية: "لماذا وُلدت في هذه البلاد، التي يحكمها آكلو لحوم البشر المنشغلون بصناعة الفحم؟" في إشارة إلى القوات والقيادة الروسية، والنزعة العسكرية لموسكو حالياً. وتكمل: "كيف بالموسيقى نوقف التعذيب. كيف بالكلمات ننهي القصف والترهيب".

وفي حديث مع "المدن" قالت ماريسول أنها أرادت التعبير من خلال الأغنية عن موقفها المدني واعتراضها على الأعمال العدوانية التي تقوم بها روسيا في سوريا. مضيفة: "أغنيتي، من ناحية، هي احتجاج سلمي ضد النزعة العسكرية، ومن ناحية أخرى، هي محاولتي للتعبير عن الألم الشديد والندم على الإرهاب الذي يعيشه السكان المدنيون في سوريا، بمن فيهم الأطفال والنساء. أردت أيضاً التعبير عن التضامن الإنساني. هذا ما أختبره يومياً ولا أفرض بشأنه رقابة في أغنياتي بأي شكل من الأشكال لأنه من المهم جداً بالنسبة لي أن أتحدث عن حقيقة ما يحدث بالفعل. أتمنى أن توحد الموسيقى الناس وأن تخدم السلام".


وليس غريباً أن ترتبط صورة روسيا لدى كثير من السوريين بالعنف والموت والبؤس الذي خلفته الحرب السورية، فمنذ العام 2015، قلب التدخل العسكري الروسي موازين القوى في البلد الذي انتفض ضد حكم عائلة الأسد بحثاً عن الحرية. وبفعل تكتيكات وحشية مرتكزة على الإبادة الجماعية، بحسب منظمات حقوقية دولية، نجحت موسكو في تثبيت حليفها بشار الأسد الذي استعاد سيطرته على معظم مناطق البلاد.

ويحيل الحديث عن التدخل العسكري الروسي، إلى المعلومات التي تروجها وسائل الإعلام عموماً، وتحديداً تلك الموالية لنظام الأسد، عن وجود دعم شعبي روسي لسياسات الكرملين بشأن الحرب في سوريا، مع قلة في المعلومات المعاكسة. ويظهر أن الأغنية تمثل الصوت المعارض لذلك السياق، الذي قد يكون مضللاً. وعلقت ماريسول: "أعتقد أن الروس يميلون إلى تصديق السردية الرسمية للحكومة ووسائل الإعلام المؤيدة للكرملين. الدعاية مستمرة. معظم الناس إما خائفون أو ببساطة، يجدون النظام الحالي مناسباً".

وبحسب ماريسول: "للأسف، أعتقد أن معظم الروس لا يفهمون ما يجري في سوريا وما يحدث مع المدنيين، ولذلك يدعمون بالفعل أنشطة روسيا هناك، والتي تقدم لهم من زاوية واحدة هي محاربة الإرهاب. بالطبع هناك أشخاص لديهم مواقف وآراء مختلفة. ورغم أنهم أقل عدداً  إلا أنهم أكثر نشاطاً ويحاولون البحث عن مصادر بديلة للمعلومات، بما في ذلك وسائل الإعلام الأجنبية".

وولدت ماريسول (31 عاماً) في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية، وهي تحب مدينتها ودرست هندسة ترددات الراديو والالكترونيات، لكنها تنتج الموسيقى منذ 15 عاماً وأصدرت ألبومات عديدة. وتقول: "أنا موسيقية مستقلة، أريد أن أواصل نشاطي الإبداعي، من أجل تقديم الرسائل المعادية للحرب والقضايا الاجتماعية بشكل خاص، لأن هذه الأشياء مهمة للغاية بالنسبة لي. أنا مهتمة للغاية بالفلسفة والمشاكل البيئية أيضاً. أريد أن يكون الناس أكثر لطفاً تجاه أنفسهم وتجاه بيئتهم. لا أعرف إذا كانت الموسيقى والتضامن سيغلبان على الحرب، لكنني سأستمر في محاولة تحقيق شيء إيجابي في العالم".

والحال أن ماريسول كتبت كلمات الأغنية في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، أما اللحن والتوزيع فقام به ديلا بيت. وتشكل الأغنية رداً شخصياً على أغنية"على جميع الجبهات" التي قدمها مغني الراب السوري أمير المعري، وخاطب فيها روسيا من بين الأطراف الفاعلة في الصراع السوري، وجزءاً من اهتمامها بالشأن السوري والسياسة العامة للكرملين.

ويمزج فيديو الأغنية بين لقطات لماريسول ف يما يبدو أنه مصنع قديم أو مهجور، مع مشاهد مؤثرة لمعاناة المدنيين في إدلب. واللافت هو أن مشاهد المدنيين كلها، حتى لو تضمنت موتاً وقصفاً وتدميراً، تأتي ملونة وتضج بالحياة، بعكس الجزء الآخر الذي تطغى عليه الألوان الرمادية القاتمة في محيط ماريسول، وكأنه تجسيد للظلامية التي تمثلها النزعة العسكرية لموسكو تحت قيادة فلاديمير بوتين.

وأوضحت ماريسول: "كنت مندهشة جداً من قدرته على صناعة الموسيقى في مثل هذه الظروف المعاكسة. هذا يلهمني. كمواطنة روسية لم أتمكن من الصمت، وهكذا تحقق حلمي بتأليف أغنية معادية للحرب. أريد من الناس في روسيا أن يفتحوا أعينهم على حقيقة التفجيرات والهجمات المستمرة في سوريا، والتي ترتكب بإسمهم وتدفع كلفتها بأموالهم. بالإضافة إلى ذلك، أتمنى أن تسود النزعة السلمية والإنسانية في السياسة الروسية. في أول سطر من أغنيتي أصف أهوال الحرب وفي السطر الثاني أخاطب الرئيس والجمهور الروسي".

ويشكل الراب هنا أسلوباً مثالياً للتعبير، ربما لأنه تكرس كنوع موسيقي يركز على الكلمات من أجل إيصال مشاعر الاحتجاج، وأوضحت ماريسول: "لم أختر الراب ، الراب اختارني. أتحدث بجدية ، أنا نشيطة ضمن مشهد موسيقى الهيب هوب لأكثر من 15 عاماً. إنها حياتي ، حتى أنني لم أفكر أبداً في أنواع موسيقية أخرى".

وبالطبع فإن روسيا التي تشهد تراجعاً موازياً في الحريات، تضيق الخناق على الأصوات المستقلة والتي تقدم وجهات نظر مختلفة عن وجهة النظر الرسمية. وبحسب ماريسول: "أعتقد أن التعبير عن أي مواقف تختلف عن الرواية الرسمية، أو أن يكون المرء مختلفاً بأي طريقة وأن يظهر ذلك الاختلاف، يشكل خطورة على الشخص في الوقت الحاضر في روسيا".

وأكملت ماريسول عن حدود المخاطرة التي يمثلها إطلاق أغنية مثل أغنيتها في التوقيت الحالي: "يبقى الأمر نوعاً من المقامرة دائماً، من ناحية إن كان الشخص سيجذب انتباه وحدة تطبيق القانون أو المركز إي (Center E) أي مركز مكافحة التطرف وهو وحدة داخل وزارة الشؤون الداخلية للاتحاد الروسي. أعتقد أن معظم الروس يعيشون يوماً بيوم مع هذا الإحساس بالمخاطر والتهديدات المحتملة من الأجهزة الأمنية. ورغم ذلك مازال هنالك أشخاص مستعدون دائماً للتحدث بشجاعة، والمشاركة في النشاط العام".
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020