مواجهة أميركا وايران: إسرائيل تتراجع

أدهم مناصرة

السبت 22/06/2019
ليس وحده ذلك التصريح الإعلامي الصادر على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يكتفي فيه بالتحذير من "محوِ إيران" في حال اندلعت حرب بين البلدين، يعطينا إنطباعاً بأن رد واشنطن العسكري على إسقاط طائرتها المسيّرة في مياه الخليج قد ذهب أدراج الرياح، ولم يتعدَ الحرب النفسية على إيران.


بل يُستشف أيضاً ذلك من مستوى وطريقة متابعة وتغطية وسائل الإعلام الإسرائيلي لمسألة تداعيات إسقاط الطائرة، حيث اتسمت هذه التغطية بأنها باتت أقل حماسة وأكثر واقعية في اليوم الثاني والثالث للواقعة، رغم أن ما بعد إسقاط الطائرة لا يزال خبراً رئيسياً فيها حتى الآن.

وإذا ما تم الخوض في مدلولات وسياقات المتابعة الإعلامية الإسرائيلية لواقعة إسقاط الطائرة الأميركية المُسيَّرة، فستبدو منفصمة. ذلك أن المواكبة، خلال الساعات الأولى لإسقاط الطائرة، مختلفة تماماً عما تبعها، وهو الأمر الذي اعتبره متخصصون في الشأن الإسرائيلي في حديثهم لـ"المدن" مؤشراً لسيطرة مجموعة "نخبوية" صغيرة في إسرائيل على هذا الإعلام.

فهذه المجموعة النخبوية تساوقت مع "فوبيا" الجهات الرسمية في إسرائيل من إدراك الرأي العام الأميركي بأن تل ابيب هي التي "تحرّض الولايات المتحدة" على التورط في حرب لا تُعرف نهايتها. وبالتالي قررت تخفيف حدة التغطية.

فمنذ اللحظة الأولى للإعلان عن واقعة الإسقاط، ظهر النقاش العام في إسرائيل في البداية على شكل فرحة لدى الأوساط اليمينية، وحتى يسار الوسط، وبشكل يوحي بحالة من الإجماع في الدولة العبرية، أملاً في أن يكون الإسقاط مبرراً لـ"تأديب إيران هذه المرة".

وقد عكس هذا الفرح، خروج نتنياهو بإستعراض تلفزيوني يعلن فيه تضامنه مع الولايات المتحدة ضد ما أسماه "العدوان الإيراني الذي لم يعد يُطاق"، ليجد نتنياهو ضالّته في هذه الحادثة علّه يجند الرأي العام الدولي ضد طهران، من خلال مطالبته بالوقوف بوجه هذا "العدوان"، تحت عنوان "آن الأوان".

لكن هذا التسخين لم يدم هذا التسخين طويلاً، بل لم يتعدّ ساعات قليلة.. فلما شَعر نتيناهو، ومعه القادة الأمنيون، بأن "الجدّ قد بدأ"، صمت نتنياهو، بل وعممّ على وزرائه بالصمت وعدم الحديث الإعلامي عن الموضوع، وذلك بموازاة انغماسه بمشاروات استراتيجية مع المستويات العسكرية والإستراتيجية طيلة ليل الخميس، حول سؤال مركزي مفاده: "هل من الصواب الذهاب لهذا التصعيد في المنطقة أم لا؟ ما هي الإيجابيات والسلبيات بالنسبة لإسرائيل التي ستجد نفسها في مقدمة الحرب الشاملة شاءت أم أبت؟!".

ولمّا أفاق العالم، صبيحة الجمعة، وجد أن ترامب قد تراجع عن توجيه ضربة لأهداف إيرانية لإعادة الإعتبار الأميركي بعدما أُسقطت الطائرة بلا طيار، ثم بدأ الإعلام الإسرائيلي خفض وتيرة "التهويل" بشكل تدريجي.

فقد تصدر الإذاعة الإسرائيلية الرسمية "مكان"، على سبيل المثال لا الحصر، عنوان: "إسرائيل تتابع التصعيد الأخير في الخليج". وقد ظهرت هذه الإذاعة أكثر واقعية في اليوم التالي عندما أقرّت بخشية إسرائيل من إحتمال محاولة طهران جرها الى هذه المواجهة بواسطة تصعيد على الحدود مع لبنان او قطاع غزة، مبيّنة أن "الأمن الإسرائيلي" يستعد لأي إحتمال.

ثم نرى توالياً للمعالجات "الواقعية" في وسائل الإعلام الإسرائيلية المختلفة، حتى اليمينية منها، يومي الجمعة والسبت. فتحدث المحلل العسكري لصحيفة "يديعوت احرونوت"، رون بن يشاي، عن أن إسقاط الطائرة الأميركية الفائقة، دليل على تطور "قدرات العدو". وأن هذا يوحي بأن الحرب الشاملة لن تكون "برداً وسلاماً على إسرائيل".

لم يغمض إعلام إسرائيل عينيه، ولو ضمناً، عن ذهول المستويات العسكرية في تل ابيب منذ اللحظة الأولى لإسقاط الطائرة الأميركية المسيّرة، انطلاقاً من ثلاث نقاط رئيسية وردت في بيان الحرس الثوري الإيراني. أولها، يتعلق بالمقدرة الإيرانية على المتابعة والرصد، ثم نجاح الإستهداف بصاروخ متطور.. وانتهاءً بالإستيلاء على أجزاء من الطائرة. وبالتالي تعاظمت المخاوف من محاكاة إيران لمجسات وأجهزة تكنولوجية موجودة في الطائرة المذكورة.. وهنا الخطر الأكبر.

ولعلّ ما حصل في مياه الخليج، أعطى مؤشراً للإعلام الإسرائيلي كي يعبر عن مخاوف تل أبيب إزاء إحتمالات حصول "حزب الله" اللبناني على صواريخ أرض-جو "مطورة إيرانياً"، كتلك التي استُخدمت في إسقاط الطائرة الأميركية التي تمتلك قدرة على الطيران على ارتفاع شاهق.

والحق، أن الواقعية في الإعلام الإسرائيلي بدأتها صحيفة "هآرتس" منذ اللحظة الأولى، على خلاف الصحف الأخرى. فهي التي نشرت، بالتزامن مع إجراء الجيش الإسرائيلي تمريناً عسكرياً، الخميس، بإعتباره الأضخم منذ عامين للتعامل مع التهديدات التي تشكلها الجبهة الشمالية، تقريراً حول مكامن ضعف الجاهزية الإسرائيلية لأي حرب تنطلق ضدها من جبهات متعددة.

وظهرت "هآرتس" ذات التوجه اليساري، ولو من دون قصد، وكأنها تدحض البروباغندا النابعة من هذا التدريب، والتي تزعم أن إسرائيل جاهزة للحرب الشاملة. فـ"هآرتس" عنونت صفحتها الأولى "المؤسسات العسكرية والصحية: لن نتمكن من معالجة عدد كبير من المصابين في آنٍ واحد".

وتكشف الصحيفة عن عجز في حوالى 30% من سيارات الإسعاف العسكرية المطلوبة في الحرب، وأن حوالى 20% من المنشآت الطبية في الجيش الإسرائيلي غير مأهولة بالأطباء.

اللافت، أن التغطية الإعلامية الإسرائيلية بعدما تغير الموقف الأميركي بشأن الرد على إيران، كشفت أيضاً "حيرة" لدى كل من القيادتين الاميركية والإسرائيلية حيال الأسلوب الأمثل لردع إيران. فبينما يقود التصعيد إلى حرب من جهة، سيتسبب عدم الرد على إسقاط الطائرة الأميركية في ضرر آخر كبير يتمثل في شعور إيران بأنها انتصرت.

ومع ذلك، عمل الخطاب الرسمي اليميني لتل ابيب، والذي يتصّف بالغرور والمُكابرة، على إظهار تراجع ترامب وكأنه منح فرصة جديدة لإيران للتنازل في ملفات معينة، وأن واشنطن تنتظر نتيجة الوساطات قبل حسمها للرد، وذلك في محاولة منها للحيلولة دون شعور إيران "بنشوة الإنتصار المعنوي".

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019