شاعر في زمن "الإنفلوانسِرز"

آية الراوي

الثلاثاء 05/05/2020
يكفي أن نتصفح حسابات الإنفلوانسِرز في "انستغرام" و"يوتيوب" وغيرها من منصات "اللاتواصل" الاجتماعية لكي نفهم أن الكوجيتو الديكارتي، "أنا أفكر إذن أنا موجود" ربما قد ولّى إلى غير رجعة، لكي يحلّ محله "أنا ناشط في الانترنت، إذن أنا موجود". مئات الصور والجُمل والأرقام تنطبع في شبكة العين لتصل إلى الدماغ، خلال دقائق معدودة من تصفّح الانترنت في يوم عادي. في "انستغرام" قد تجد حسابات أصحابها، على سبيل المثال، فتاة سيبورغ، أو قطّ يسبح في الدولارات، أو رؤوس باربي مقطوعة، أو بوتين نفسه! والمواضيع، بعضها ذو محتوى ثقافي أو سياسي أو اجتماعي، وبعضها الآخر قد يكون بتفاهة وعبثية أن يقوم بعضهم بنشر صور أشخاص تغرق وجوههم في عجينة خبز مثلاً، والمتابعون بالآلاف! كيف يستطيع الكتّاب والفلاسفة والشعراء أن يجذبوا القرّاء عندما لا يمضي معظم الناس أكثر من 10 دقائق لمشاهدة مقطع فيديو أو قراءة مقال؟ أصبحت المعلومة تمرّ على ذهن المتلقّي مرور الكرام، بحيث لا نستطيع حتى استيعابها ومعالجتها وتخزينها، لأننا لا نلبث أن نكتشفها- أو تكتشفنا- إلا ونكون قد انتقلنا إلى غيرها.

بعيداً من الدفاع عن رومانسية القراءة في الكتب ورائحة الورق القديم ولذة التلمّس، أتساءل فعلاً كيف انتقلنا بهذه السرعة من عالم الإيحاء والاستنباط إلى عالم القصف المعلوماتي والبصري؟ ماذا سيحلّ بالخيال؟ بالقدرة على التجريد والتحليل، إذا لم يعد في مستطاع أبناء الجيل الجديد أن يتابعوا فيديو تتعدّى مدته الخمس دقائق، ولا يشاهدون الأفلام إلا إذا تشبّعت بجرعة كافية من السرعة والإثارة والمفاجأة والتأثيرات البصرية مع قدر لا بأس به من عوامل جاذبة أخرى كالمال والجنس والعنف؟ وقد أُصاب بالصداع أحياناً من ذلك، إذ يبدو أن جزءاً مني ما زال يقاوم هذه النزعة الرقمية والتي أشبّهها بالدوامة المتشظّية، ويريد أن يبقى متشبّثاً بإيقاع الأمور كما عهدها جيل الأقراص المدمجة والكاسيت، التي كنّا ننسخها ونتبادلها كما لو كانت معجزة. جلسات السمر والسهر بلا الهواتف الذكية، التبضّع في الأسواق القديمة وليس في الانترنت، الطبخ بلا أدوات الكترونية، قراءة الكتب السميكة..

وهنا أتحسّر على قراءات الجامعة والروايات الروسية ذات الألف صفحة التي كان في استطاعتي إتمامها، الأفلام البطيئة التي كنت أشاهدها بمنتهى الصبر والدهشة... فعدتُ الآن إلى مشاهدة فيلم "عرَق البلح" البديع للمخرج المصري رضوان الكاشف، واستمتعت، على سوء نوعية الصورة والصوت، ببساطة التمثيل وبراعته وبمشاهد الصحراء والواحات الممتدة وبيوت الطين وأشجار النخيل، وهي تشكل الديكور الوحيد على مدى ساعة ونصف الساعة، تتخللها أحداث الحياة اليومية وصعوبتها في قرية في "آخر الصعيد"، تمتزج فيها المأساة بمشاهد صادمة من الحب والرقص والغناء الجماعي في ظلّ الظلم الذي تعانيه النساء من العادات القاسية. لكن الفيلم يُظهر أيضاً بالموازاة، هذه القوة "الأصلية" التي تستمدها النساء من العيش المشترك، ومن تواصلها مع عناصر الطبيعة وقدرتها على التعبير الصادق عبر السرد والغناء، وهذا السحر الذي يجمعها بالأرض وبقِوى الحياة الخفية… كل ذلك قبل وصول الحداثة والانترنت إلى البيوت والعقول. وقد يبدو الفيلم من منظار حديث، فولكلوراً ساذجاً مليئاً بالمبالغات، لكن القوة الشعرية فيه تخترق الذهن إلى طبقات عميقة من النفس وتبعث على الاختلاج  والتفكّر.

هذه التجربة مثال بسيط على اختلاف الحاجات والأنماط الاستهلاكية على المستوى المعرفي والترفيهي، إن كان من ناحية المتفرّج، أو من ناحية موضوع السرد، أي المجتمع الريفي الكالح، في هامش زمني بسيط يفصل عصرنا هذا عن نهاية القرن الماضي. المخرج أو الكاتب أو الفنان أو الممثل اليوم، يجب أن يكون له حساب في منصة إلكترونية، ويجب أن يقدّم لجمهوره ومتابعيه دفقاً مستمراً من الترفيه السريع والسهل، من "اللايف" المصوّر في المطبخ أو بثياب النوم. عليه أن يلقّم المحتوى تلقيماً للمتلقي، وكأنه بذلك يساهم في "أطفَلة" القارىء أو المتفرّج، فعليه أن يبيع فنه وصورة مركّبة ومسليّة وإيجابية عن حياته كمنتَج، شأنه شأن سائر السلع المخصصة للاستعمال ثم الرمي… حتى أصبحت الكتابة والإيمان بالفلسفة والفن، من دون أن يكون المرء بطلاً رقمياً، عبارة عن فعل سياسي جذري وشكل من أشكال المقاومة: فما أصعب أن تكون شاعراً في زمن الإنفلوانسرز!
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020