حزّ الرؤوس في سوريا: شكوى المُوالي و"مقتل" المعارض

نذير رضا

الخميس 11/07/2019
الاعتراض الذي سجله موالون للنظام السوري على تعاطي شركات التكنولوجيا الكبرى مع منشوراتهم، مقارنة بمنشورات المعارضين، انطلاقاً من نشر صور لرأس جندي سوري مقطوع في معارك الشمال، لا يعدو كونه ذراً للرماد في العيون، لكنه في الوقت نفسه لا ينفي حقيقة ارهاصات فصائل المعارضة، اعلامياً، والتعمق في أذية حراك ثوري نزعت عنه بعض وسائل الاعلام العالمية صفة الثورة، وألصقته بالصراع على السلطة، رسمياً منذ العام 2018. 
ونشر صور التمثيل بالجثث، بات فعلاً مكرراً يندرج حكماً ضمن الصراع السياسي والعسكري، وحتى النفسي، اختبرته سوريا منذ أواخر العام 2011، ولم يقتصر على طرف واحد. ولعله تقليد يمتد الى العراق الذي اختبر بين العامين 2006 و2008 تجربة قطع الرؤوس، ليتكرر الفعل في وحشية "داعش" في 2014 وما تلاها. 

وسوريا، ليست معزولة عن إجراء ينظر اليه طرفا النزاع على أنه اقتصاص تفرضه وحشية المعركة وطبيعتها الاجرامية. منذ أواخر العام 2011، بدأت صور الاقتصاص التمثيلي بالجثث بالظهور مع فيديو أكل كبد جندي سوري في القصير، ثم اعدامات ميدانية لقوات معارضة في ريف دمشق، وتعمقت أكثر في المشهد المريع لجثث جنود نظاميين عند أسوار قاعدة عسكرية في ريف حلب احتلها مقاتلو "داعش"، وقبلها في الرقة، وبعدها في الشمال... 

لطالما شكلت مواقع التواصل الاجتماعي مساحة لنشر تلك الصور المقززة، قبل أن تتخذ اجراءات في شركات التقنية الكبرى لحظر منشورات مشابهة، ومنعها من التداول، بل توسعت الاجراءات لتشمل حظر المجموعات المتقاتلة منعاً للترويج لها. وأخيراً، بات هذا الحظر مدار شكوى الموالين، بعد انتشار صور لجندي سوري قتل في معارك ريف اللاذقية الشمالي الشرقي، وتم قطع رأسه، ولصق الصور على حساباته الشخصية في مواقع التواصل، وارسالها الى عائلته عبر تطبيقي انستغرام وفايسبوك، والتي استغرق العمل فيها 24 ساعة قبل حظرها. 

لكن ما سمّاه الموالون "كيلاً بمكيالين"، ينطوي على مبالغة، بالنظر الى ان المضمون المخالف لقواعد وشروط مواقع التواصل، يتم حظره، بفارق زمني بين محتوى وآخر. وهو لا يستدعي انتقاد مواقع التواصل، بقدر ما يخدم النظام ومواليه، بإظهار المعارضة في صورة "وحشية"، لم تستطع إخراج نفسها منها، بعد ثماني سنوات على الحرب، وخضوعها لاختبار صورتها الاعلامية الى جانب أدائها السياسي والعسكري أمام وسائل الاعلام العالمية، والذي أفضى، عطفاً على التراكمات البصرية والميدانية، الى رثاء معارضة ثورية بالكامل. 

آخر المواد الاعلامية التي تكشف اهاصات الحراك الاعلامي، كشفتها مجلة "ناشيونال انترست" في مقال كتبه صموئيل سويني، قال فيه ان الأخطاء الأساسية التي تقع فيها المعارضة هي الإصرار على الشوفينية العربية والإسلامية التي تميز السياسة السورية. وقال إن "المعارضة لم توفر لغير العرب وغير المسلمين شعوراً بأن تغيراً حقيقياً كان قادماً إلى البلد على شكل حقوق متساوية للمجموعات المهمشة سابقاً". 

وقالت المجلة أن المعارضة المسلحة في سوريا افتقرت إلى استراتيجية سياسية متسقة، وكانت لديها رؤية عامة تفتقر إلى الاتفاق على التفاصيل من المعارضين كلهم للوصول إلى سوريا ديموقراطية، ولتحقيق ذلك الهدف قامت المعارضة بخطوتين متناقضتين: غضت الطرف عن أي أخطاء قامت بها أي أطراف ملتزمة بالإطاحة ببشار الأسد، ورفضت التوصل إلى سلام فصائل لم تتفق معها. كما رأت المجلة أن النتيجة ستكون هي التحول من رجل قوي، بشار الأسد، إلى رجل قوي جديد، أي شخص ينتهي به المطاف للقمة في المعارضة. 

وإذا كانت المجلة أضاءت على السياق السياسي والعسكري والواقع الميداني للمناطق السورية الواقعة تحت سيطرة المعارضة بقولها انها "أصبحت تتصف بالفوضى"، فإن تراكم الاخطاء البصرية والاعلامية، وآخرها حادثة قطع رأس الجندي، يعتبر سبباً اضافياً غير منظور، يدفع وسائل الاعلام العالمية لرثاء حراك مدني منذ العام 2018، والتعاطي مع الطامحين للتغيير على أنهم بديل مماثل للنظام، كباحثين عن سلطة، وليس كقوى دافعة لتثبيت الدعائم الديموقراطية. 

والحال إن هذه الصورة، هي نتيجة حتمية لأداء غير متوازن، لا ينسجم مع الخطاب الذي قدمته المعارضة منذ العام 2011، ومنحتها وسائل الاعلام العالمية فرصاً لتكريسه، عبر استبعاد المادة البصرية، أو الاخبارية، المؤذية لحركة شعبية انتفضت على نظام لا يؤمن بالتداول الديموقراطي للسلطة، وتحكمه عائلة واحدة منذ 50 عاماً. براي الاعلام العالمي، "لم تعد هناك معارضة سورية بصفتها قوة سياسية داخل البلد"، وهو ما يوجب مراجعة متأخرة لأداء اعلامي سوري معارض، لا تحكمه عقليات البعث وأبعادها الالغائية، غذا كان هناك من فرصة سانحة لانقاذ صورة المعارضة المهشمة. 
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019