الفِرَق الإعلامية لمكافحة الثورة

نايا الحاج

الإثنين 10/02/2020
ثلاثون عاماً من الفرص المتتالية منحها اللبنانيون للزعماء. منهم من خرج من السلطة، وعاد بعد 15 عاماً بمفعول رجعي. عقود استلمت فيها المليشيات الدولة، فكانت فرصتها للاستمرار في النهب. نهب سعت لأن تتستّر عليه إعلامياً، بتواطؤ من "زملاء" باتوا أبرز أدواتها. إعلاميون غيَّبوا حسّهم النقدي، وغيّبوا فضولهم، كرمى سلطة تنهب أمامهم، وتنتهك الحقوق أمامهم. فإن ضبطوها بالجرم المشهود، غضوا الطرف، مقابل إمتياز من هنا و"سكوب" من هناك، أو حتى رقم سيارة مميز وزجاج داكن كقلوبهم.

تجذرت الصلة بين المسؤولين و"زملائنا" الإعلاميين. فالزعيم الذي يريد أن يسرق، عليه أن يطعم الإعلام! بعض المستصحفين اقتنع أنه، ليكون صحافياً، وليحصل على الخبر، عليه أن يبني علاقة مميزة مع جهة ما، أن يكون لسان حالها في الصحف والقنوات. أن يمرر رسائلها عبره. ومشكلة هؤلاء، أنهم أصبحوا أسرى هذه المصادر، أنهم اختصروا مهنتهم فيها، فباتوا يخشون، إن فقدوها، أن يفقدوا المهنة. فمن اين سيأتون بالخبر؟ وهُم إن ذهبت مصادرهم، ذهبوا. هؤلاء من الطبيعي أن يستشرسوا في الدفاع عن نظام هُم صنيعته، هُم أزلامه ومستصحفوه. هؤلاء في خطر الوقوع في شرك البطالة، إن سقطت السلطة. فبمَن سيتصلون للاستحصال على خبر؟ ماذا سيكتبون إن لم يمنحهم المصدر المحتوى؟

مشكلة هؤلاء أنهم ذابو في مصادرهم، حتى تآكل كيانهم. ما عادوا التفتوا لدورهم، باتوا يسلمون للمصدر بما يقوله، مهما كان، لا يدققون، لا يشككون في كلام السلطة. يرونه مُنزلاً، وما عليهم سوى التبني والبلاغ. يتوهمون أحياناً أنهم ندّ مع المسؤولين، أنهم أصدقاؤهم، أن موائد السلطان مجانية. يوهموننا بأن المصدر صديق، اختارهم دون سواهم، لسبب بريء، صديق يفتح لهم وحدهم قلبه، فيكشف ما لا يكشفه لغيرهم. هؤلاء يقعون في فخ العلاقة الموبوءة. بعضهم ينسى أنه ممر للرسائل، فيتباهى بما يعتقده امتيازاً ومنّة، تماماً كما يتوهم العميل حرص العدو عليه.

هؤلاء يشعرون بالخطر اليوم. يخافون على مصادرهم و"سلطتهم"، لذلك هم أكثر حماساً لقمع الانتفاضة من فرق مكافحة الشغب، بل وأحياناً من السلطة ذاتها. يحرضونها على مزيد من العنف. هؤلاء يتقدمون إلى الصفوف الأمامية في المواجهة. يصوّبون أقلامهم على ناس عزّل، يقاومون باللحم الحي أجهزة أمنية وحزبية لديها خبرة عقود في القمع والإجرام. يصوبون أقلامهم ضد ناس لا سلطة لهم ولا قوة، إلا قوة الغضب الذي راكموه بعد طول صبر. يتّهمون ثورة يومٍ بالتسبب بالبلاء النازل على الشعب منذ اكثر من 40 عاماً.

هم "إعلاميون" يستيقظ حسهم النقدي غبّ الطلب. يهتمّون فجأة ببلاطة مُقتلعة، بينما يتعامون عن عينٍ تُقلع. يظهر حرصهم على المال العام عند انتزاع عمود في ساحة احتجاج، ويغضون الطرف عن ابتلاع شواطئ على طول الوطن. ينوحون عند اقتلاع شجرة، ويهللون لاقتلاع مرج بسري، أو يبررون لجرافات تأكل الجبال. يسألون عن أجرة طريق لمتظاهر، ولا يسألون عن عَيش من لا يملك أجرة الطريق. يخوّنون من يسأل نائباً أو موظفاً عن قصوره، لأن لهم فيها أطباقاً على موائد الذلّ.

هؤلاء هم فرق مكافحة الثورة، سلاحهم الكلمة السامة الخبيثة والاتهامات والاستقواء على الأضعف. هؤلاء حماة السلطة، ينزعون سلاح السلطة الرابعة ويرمونه في أيدي فاسدين. هؤلاء شركاء في الجُرم، يكشفون ظهر المتظاهرين العزّل، تمهيداً لانقضاض الوحوش عليهم، بل وقتلهم. هؤلاء أكثر حماساً للفتك بالمتظاهرين، فهُم ذليلو السلطة.

هم أيضاً فاسدون، يتاجرون بدماء الناس لقاء هدية أو مكسب، يغتالون الأمل في التغيير ويمضون إلى نومهم هانئين. لكنهم سيستيقظون غداً ليتّهموا الناس بالسكوت عن الفساد، بالخضوع والذلّ، بترك المسؤول يتمادى. تماماً كما فعلوا في الانتخابات النيابية الأخيرة. يوم اسكتوا الصوت المعارض، تآمروا عليه، كتموه، سخّروا الهواء لأصحاب النفوذ والملايين، طبطبوا لهم بأسئلة فُصّلت على مقاساتهم، أخفوا عن الناس أي مشروع بديل، أوهموهم أن لا بديل، أنّ أي تغيير لن يفيد.

انتهت الانتخابات، فتحول هؤلاء من مروجين للفاسدين، إلى قضاة يدينون الناس، إلى وعّاظ يُفتون بنظافة الكف. ألقوا اللوم على الناس بحجة أنهم انتخبوا الأشخاص أنفسهم. ظنوا أنهم بذلك يتنصلون من فعلتهم، من فسادهم هم أيضاً. ويوم اندلعت ثورة، عملوا على إجهاضها بكل ما أوتوا من خبث. هؤلاء أيضاً ستقتلعهم الثورة باقتلاع صنّاعهم...

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020