مشقّات الأمومة في عيدها

نبيلة غصين

السبت 21/03/2020
21 آذار من كل سنة هو عيد الأمهات. والأم في الإنشائيات الأخلاقية غيرها في الواقع. وهذه الشهادة تكسر صورة الأمومة الزاهية في تلك الانشائيات، وتتحدث عن شقاء الأمومة.


أُدعى نبيلة، ابنة مريم ابنة فهدة والدتها عليا، وإبنتي تدعى غزل. لكل واحدة منا نسب مجهول لا نعرفه، فلا قيمة في مجتمعنا للمرأة التي حملت وأنجبت وكبّرت.

منذ سنتين تبدلت خانتي الاجتماعية وطبيعة مهنتي، وحتى مظهري الخارجي تغير: تحولت من إمرأة بلا أطفال إلى "أم". ومنذ ذلك الحين، وبحكم التجربة المعيشة، بتّ على يقين من أنني أحمل جبلة والدتي، التي تحمل بدورها جبلة جدتي. ومنذ ذلك الحين وأنا أهتم بمعرفة تفاصيل نسبي الأمومي. فنحن أبناء النساء لا الرجال، حتى لو كان للعلم والبيولوجيا رأي مخالف. نحن الأولاد تكوِّننا أمهاتنا.

لطالما كانت نظرة المجتمع الحديث للمرأة المكتفية بدورها كأم وربة منزل، بأنها إمراة "فاشلة" غير ناجحة لأنها غير منتجة اقتصادياً. أما المرأة ناجحة و"القوية" في التي تزدوج أدوارها بين داخل المنزل وخارجه، على أكمل وجه ومن دون كللٍ. لكن لو يعلمون كم من المهنة الملقاة على المرأة الأم، وهي أصعب المهن. فحين تصبح المرأة أماً تتحول تلقائياً إلى مرضعة. كنت أحسب قبل إنجابي أن الأم ما أن تمنح صدرها لطفلها سيتناولة بسهولة ويتناول حليبه. لم أكن أعلم أن هذه العملية البسيطة أشد إرهاقاً من أعمال البناء. فالأم تمضي ساعاتٍ في تدريب وليدها على الإمساك بهالة صدرها و"المص". وهذه المشقة لا تنتهي، تستمر في ساعات الليل وحتى الفجر، بصرف النظر عن آلام الظهر المستمرة جراء امتلاء الصدر بالحليب. ولا يمكن للمرأة المرضعة الخروج من منزلها لفترة تتعدى ساعات ثلاث، وإلاّ سوف تضطر للجوء إلى شفط حليبها اصطناعياً. ولهذه العملية آلامها النفسية والجسدية المغايرة. لجأت إليها غالبية النساء العاملات للإستمرار في وظائفهن، خصوصاً أن إجازة الأمومة في لبنان لا تتعدى سبعين يوماً.

ومن المهن المنوطة بالمرأة الأم أن تكون ربة منزل. أي أن تقوم بالأعمال المنزلية كافة. عليها أن تكون طبّاخة ماهرة، ومربية صالحة لأطفالها، لأنها المسؤولة الأولى عن أخلاقياتهم وسلوكياتهم الحسنة. وهذه مهنة تحتاج إلى متابعة من أخصائية نفسية وتربوية، لمعرفة وفهم كيفية التعامل مع الأطفال ومواكبة أساليب تربية حديثة وناجحة.

ولا ينتهي نهار الأم بنَوم أطفالها، بل عليها في معظم الليالي القيام بواجباتها الزوجية على أكمل وجه، مع استيقاظها ليلاً لهدهدة أطفالها. وفي عملية حسابية بسيطة لا تتعدى ساعات راحة الأم أكثر من أربع ساعات أو خمس في الـ24 ساعة. هذا من دون التطرق إلى التعب النفسي. فأن يستيقظ أي شخص يومياً على بكاء طفل وينام على بكائه وعلى مدى سنوات، كفيل بالتسبب بانهيار عصبي واكتئاب نفسي. وأن تُرغم امرأة أو تُرغم نفسها، ولو لمرة واحدة، على ممارسة الجنس إرضاء لشريكها، فهذا كفيل بموت حسٍّ من أحاسيسها الإنسانية.

غالبية الأمهات اليوم هن من النساء العاملات. بعضهن باختيارهن، وبعضهن فرضت عليهن ظروفهن المعيشية الصعبة الاستمرار في العمل. لكن لا شك في أن الأم العاملة هي امرأة منهكة، متعبة إلى أقصى الدرجات. وتبعات هذه الأدوار كافة، تكلّف المرأة تعباً جسدياً وإرهاقاً نفسياً، وتفقدها حياتها الشخصية. أو سيكلف الأطفال حرمانهم من أمهاتهم لتربيهم إما الجدات أو الحاضنات.

وعلى الرغم من تعبها المرهق على الأم الحفاظ على رباطة جاشها، وعلى تماسكها النفسي. وإذا أخفقت ينتظرها عشرات الجلادين.

ومقارنة بحياة الرجل الأب، وبحكم تعلق الأطفال الطبيعي والفطري بالأم، تصبح الأم مكبلة. ما يحدّ رويداً رويدا من طموحها ويضطرها في كثيرٍ من الأحيان إلى تقليص ساعات عملها، لتوفق بين احتياجات أطفالها وعملها. أما الرجل، فيسعى بديهياً، انطلاقاً من دوره الاجتماعي، إلى العمل بجهد للتقدم في العمل من أجل تلبية متطلبات عائلته الجديدة. ومع مرور الوقت يراكم الرجل ويواظب على تطوره المهني، فيما تضطر المرأة إلى التوقف الاكتفاء بما وصلت إليه قبل الإنجاب. وفي كثيرٍ من الأحيان تتخلى عن الكثير من الانجازات لتستطيع مواكبة حاجيات الحياة العائلية المستجدة.

غالباً ما تساهم المرأة المنتجة اقتصادياً في الإنفاق على تلبية متطلبات منزلها، في ظل عدم تمكن الرجل (الملقى على عاتقه هذا الدور) من تغطية النفقات المستجدة كافة. لكن ما يحدث أن تعب الرجل، وبجماية اجتماعية، يبقى في الحفظ والصون من خلال امتلاكه المنزل المقسط. أما تعب المرأة وأموالها فتصنف في خانة "السترة " والواجب. وهذا ما ينطبق على الأم غير العاملة التي تعتبر أيامها وساعاتها في العمل المنزلي، إجبارية ومجانية. فالرجل والمجتمع يرفضان قطعاً (باستثناء بعض الحالات النادرة)، أن يحفظ القانون تعب المرأة. هناك عشرات من الأمهات اللواتي اضطررن إلى ترك أعمالهن بسبب الأمومة. وعندما طلقن لم يجدن مكاناً يأويهن ولا أعمالاً يقمن بها، نظراً لمرور الوقت، أو عليهن البدء من الصفر. وهذا قمة الظلم الاجتماعي بحق المرأة الأم.

هذا إذا ما تمكنت المرأة من الإقدام على الطلاق، في ظل ضغوط المجتمع وتصوراته المجحفة في حق المرأة المطلقة، التي تتحول تلقائياً إلى مؤدية جنسية (عاهرة) بالقوة، ما يدفع الكثيرات منهن للهرب إلى الزواج مجدداً والتلطي في ظل رجل.

أمارس مهنة الأمومة مسكونة بذكريات ومعتقدات وأفكار. استحضر مواقف تمييزية تعرضت لها في طفولتي: وشوشات جيران الحي لوالدتي، بأنه أصبح عليّ مساعدتها في الأعمال المنزلية، على الرغم من وجود أخوين يكبرانني بسنوات. تكلفي بمهمة تحضير العشاء لأفراد المنزل لأني البنت الوحيدة. وكان هذا ليستمر لولا اعتراضي من منطلق أني تلميذة كسائر إخوتي. وهناك المحظورات على اللباس والخروج من المنزل. وحتى بلوغي الثامنة عشرة من عمري، ما كان يُسمح لي بالخروج إلاّ برفقة إخوتي أو برفقة والدتي.

أما الحادثة الأبرز التي جعلت مني حاقدة على المفاهيم الذكورية كافة، فهي مشهد جارتنا يسحلها زوجها على درج البناية، فيما هي تمسك بدرابزين الدرج رافضة ترك أولادها القصّر، مستنجدةٍ بجاراتها اللواتي وقفن متفرجات غير قادرات على التدخل إزاء صراخ زوجها بأن هذا البيت (لإجري) وأنها لا تملك فيه قشة، حتى أولادها.

لذا، أحاول منذ أنجابي طفليّ التوأمي (غزل وراوي) أن أحرص على حمايتهما من معتقداتي اللاواعية، ومن أفكار ومعتقدات المجتمع التمييزية تجاه المرأة. أحاول ووالدهما الحفاظ على حقوق غزل قبل حقوق راوي، وأن نسعى إلى تحصينهما مادياً ومعنوياً وسلوكياً. فمصدر أمان الفتاة الأول هو ذووها، وانطلاقاً منهم تستطيع مواجهة المعتقدات الاجتماعية التقليدية المجحفة.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020