تسلُّل سودانيين من لبنان إلى إسرائيل: إنذار بالحرب!

أدهم مناصرة

الخميس 02/07/2020
لم يمنع "الضم الموعود" للضفة الغربية وإصابات كورونا القياسية، صحافة إسرائيل من تخصيص مساحة لرصد قراءات وإنذارات عسكرية بشأن محاولات التسلل المتكررة لسودانيين من جهة لبنان إلى فلسطين خلال الشهرين الأخيرين، قبل أن يعتقلهم جيش الاحتلال ثم يعيدهم مجدداً إلى الأراضي اللبنانية بالتنسيق مع قوات الأمم المتحدة المؤقتة "يونيفيل".

نقطتان بارزتان إهتم الإعلام العبري بإثارتهما خلال تغطيته حوادث تسلل السودانيين عبر لبنان. الأولى خضوع المتسللين للتحقيق الذي أكد أنهم فعلوا ذلك كباحثين عن عمل وليس لغرض أمني، ارتباطاً بالأوضاع الاقتصادية والسياسية المعقدة التي تعيشها الدولة اللبنانية في هذه الأثناء. والثانية تكمن في قراءة تداعيات استمرار حوادث التسلل المذكورة، وسط مخاوف من أن تصبح محاولات التسلل هذه بمثابة ظاهرة أو أمراً اعتيادياً من شأنه أن يستغله حزب الله.

ومع خسارة العديد من العاملين الأجانب في لبنان مصادر رزقهم، حاول 16 شاباً سودانياً على الأقل التسلل عبر الحدود الجنوبية، آخرهم قبل أكثر من أسبوع، حيث رصده جيش الاحتلال مختبئاً في مجارير المياه، قبل أن يحقق معه ويعيده عبر الحدود إلى لبنان.

والحال أن أحدث المعالجات الصحافية الإسرائيلية لموضوع "التسلل المُستجد" للسودانيين تمثّل بمقال كتبه الباحث في معهد دراسات "الأمن القومي" آساف أوريون في مجلة "مباط عال"، الخميس، بعنوان: "الخط الأزرق: حدود إسرائيل - السودان؟ تحدي المتسللين من لبنان"، وكان لافتاً إطلاقه توصيفات تحذيرية لمحاولات التسلل المذكورة من قبيل "التحدي الجديد"، لدرجة أنه وضعه بنفس مستوى "تهديدات حزب الله اللبناني"، وأكبر من "تحدي الهجرة" من شبه جزيرة سيناء في الماضي داعياً المستويات الأمنية في إسرائيل إلى إيجاد رد مناسب على التحدي الجديد ما يتطلب فهم صفاته الخاصة وسياقه الحالي.

وسرد أوريون أصل حكاية التسلل المستجدّ، عبر الإشارة إلى الأزمة الاقتصادية العميقة في لبنان وما صاحبها من انخفاض سريع في سعر الليرة، ونقص الدولارات وبطالة متزايدة. كل ذلك عاظم مخاوف الأمن الإسرائيلي، من احتمالات التسلل المتزايدة على ضوء ما نتج عن هذه الأزمة من عاطلين عن العمل بينهم ربع مليون عامل أجنبي في لبنان، منهم آلاف من السودانيين.

وهنا، تطرق أوريون إلى الجهات التي تساعد المتسللين مستنداً إلى مصادر لبنانية، معتبراً أن الضائقة الاقتصادية المتصاعدة تدفع عدداً منهم إلى البحث عن حظهم في إسرائيل، فيستعينون بـ"جهات تجارية أو إجرامية لنقلهم إلى الجنوب اللبناني وإيصالهم إلى قرب الخط الأزرق، ويدلونهم على كيفية اجتياز عائق الحدود والدخول إلى إسرائيل"، على حد قوله.

وحاول أوريون في مقاله أن يسلط الضوء على أهمية دور الجيش اللبناني في منع التسلل، باعتباره مسؤولاً عن أمن الحدود والسيادة، فقال: "يمكنه بسهولة منع عبور المتسللين قبل وصولهم إلى الخط الأزرق وقد منع فعلاً تسلل العديد منهم".

ولأنّ إسرائيل تعتبر الحدود مع لبنان، دائماً، الأكثر سخونة مقارنة بحدودها مع الدول العربية الأخرى المجاورة، فإن مجرد حدوث حالة تسلل واحدة ولو لغرض بعيد عن السياق الأمني، من شأنه أن يُضاعف قلق الدوائر الإستراتيجية الإسرائيلية ويتضاعف ذلك عند الحديث عن حالات تسلل متكررة في الآونة الأخيرة، في ظل أنباء عن أن أكثر من ألف سوداني من أصل 4 آلاف على الأقل، قدموا طلبات مغادرة من لبنان، ما يجعل مسألة تكرار عمليات التسلل عبر الحدود الشمالية مرشحة في ظل هذه الظروف التي تصفها تل أبيب بـ"الحساسة".

والحال أن القلق الإسرائيلي مما يجري على حدود لبنان من محاولات تسلل، دفع وزير الجيش الإسرائيلي السابق ورئيس حزب "يمينا" نفتالي بينيت إلى إطلاق تصريح خاص بالقناة العبرية "السابعة"، كي يُنبّه حكومة بنيامين نتنياهو من مشكلة تتطور على الحدود الشمالية في مواجهة حزب الله، مطالباً إياها بالتصدي لظاهرة "المتسللين" عبر الحدود اللبنانية إلى إسرائيل، موضحاً، أسوة بغيره من الإسرائيليين، أن ما يقض مضجع إسرائيل في عمليات التسلل من هذا النوع هو الخشية من أنه قد يُنظر إليها على أساس أنها مشكلة تسلل عادية، بينما "يشجع حزب الله هذه العملية حتى تعتاد إسرائيل على ذلك، حتى تغفو".

ورغم أن عمليات تسلل الأفارقة، ومن بينهم سودانيون، إلى إسرائيل بحثاً عن عمل ليست جديدة، إذ يعيش فيها الآن نحو 33.6 ألف طالب لجوء من إفريقيا 71 في المئة منهم من إريتريا و20 في المئة من السودان، إلا أنها غير مألوفة من الجهة اللبنانية، لأن اللاجئين يتسللون عادة من جهة الحدود مع مصر، لا لبنان "العدوّ". وبالتالي أبرز الإعلام العبري الخوف من أن تنمو الظاهرة وأن "تستيقظ إسرائيل ذات يوم على هجوم من قبل قوات كوماندوز حزب الله على المستوطنات الحدودية الشمالية وقوات الرضوان، ما يجعل تل أبيب تفكر لإنهاء هذا الحدث قبل وقوعه.

وبغض النظر عن خصوصية الحدود مع لبنان، فإن مسألة الحدود مع شمال فلسطين هي نقطة حمراء من منطلق أن "حماية الحدود وضبطها" هى إحدى الوسائل الإستراتيجية لوجود إسرائيل وبقائها، ما يجعلها تحرص دائماً ومنذ نشوئها عنوةً العام 1948 على مراقبة كل هذه الحدود مع الأردن ومصر وسوريا، كما لبنان. فحتى لو لم يكن حزب الله موجوداً، فإن الحدود تستلزم إجراءات أمنية دقيقة ومشددة.

وهنا، شدد مقال في صحيفة "يديعوت أحرونوت" كتبه المحلل العسكري رون بن يشاي، بعنوان فرعي هو "لبنان مفلس"، على أن ما يزيد مخاوف إسرائيل الأمنية من التسلل عبر الحدود مع لبنان، أنها تجري في وقت تتعاظم فيه مخاوفها الأمنية على الحدود الشمالية، ارتباطاً بالصراع مع إيران التي باتت تفكر بسحب عناصرها من الجولان من أجل التركيز أكثر على المضي قدماً في مشروع "الصواريخ الدقيقة" لحزب الله، بالإضافة للمخاوف المرتبطة بتداعيات دوامة لبنان الاقتصادية.

وبحسب بن يشاي، تتوقع إسرائيل أن يسعى حسن نصر الله الى تحويل كل الاتهامات الموجّهة إليه وإلى حزبه، من التظاهرات الشعبية، إلى نقاط احتكاك بإسرائيل في سوريا أو البحر المتوسط، حيث يوجد خلاف بين لبنان وإسرائيل على ملكية المياه الاقتصادية التي توجد تحتها حقول الغاز.

وتتزامن القراءات الإعلامية الإسرائيلية لحكاية التسلل عبر الحدود اللبنانية، مع تسليط الصحافة إلاسرائيلية الضوء على اللمسات الأخيرة التي وضعتها كتائب "لواء جفعاتي" في الجيش الإسرائيلي بشأن تدريبات وُصفت بالمعقدة، إستعداداً لحرب مقبلة مع لبنان، والتي انطلقت منذ بضعة أشهر، حسبما نشرت القناة "السابعة" العبرية، مضيفة أن الكتائب المختلفة في اللواء أجرت تدريبات في تضاريس معقدة وصعبة تحاكي حرباً مع لبنان على الجبهة الشمالية، حيث تتدرب كتيبتا "شاكيد" و "صبرا" في اللواء على  السيناريو نفسه.

وعدا البُعد الأمني، حاولت إسرائيل استغلال حوادث تسلل الأفارقة من أجل الترويج لنفسها كدولة "نموذجية" يطمح إليها جميع من هم في المنطقة العربية والإفريقية طلباً للرخاء والأمان المزعومين. لكنّ الواقع، أن آلافاً من الأفارقة الذين تسللوا إلى إسرائيل ويعيشون فيها الآن، تم تصنيفهم كـ"متسللين ومهاجرين غير نظاميين"، ورفضت تل أبيب منحهم أي إقامة.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020