نساء ويكيبيديا: وين الملايين؟

يارا نحلة

الأربعاء 08/11/2017
تعدّ Wikipedia الموسوعة الأكبر والأشهر في عصرنا ألإلكتروني، وهي تتمتّع بميزة إستثنائية لجهة كونها مفتوحة المصدر (open source)؛ أي بإمكان أي مستخدم على الإنترنت المشاركة في صناعة موادها وتحريرها. ولكن بالرغم من إتاحة فرص التحرير أمام الجميع، تُلاحظ فجوة جندرية كبيرة في التحرير والتمثيل على حدّ سواء، إذ تشير الإحصاءات التي أجريت في العام 2013 أن المحررات النساء لا يتعدين نسبة 16.1% من مجموع محرري ويكيبيديا (الإنكليزية). كما أن 15.5% فقط من السير الذاتية التي تحتويها ويكيبيديا هي عن نساء.

في ضوء هذا الحضور الخجول لنساء ويكيبيديا، نشأت مبادرات عديدة حول العالم لتعزيز مشاركتهن في عملية التحرير. أما في لبنان، فقد بدأت رحلة صدّ الهوة الجندرية في ويكيبيديا، مع ورشة عمل "نساء يحرّرن ويكيبيديا"، والتي نظمتها مؤخراً "ورشة المعارف" مع جمعية "سمكس" ونادي "راديكال"، بالإضافة إلى نسويات مستقلات، لتكون الخطوة الأولى ضمن مشروع طويل هدفه "خلق مجموعة نسائية مهتمة بتحرير ويكيبيديا".

إستهّلت ورشة العمل بتدريبٍ قصيرٍ قدّمته الناشطة النسوية نادين معوّض، التي عملت على موضوع الجندر والتكنولوجيا مع حركة "استعيدي التكنولوجيا"، فعرضت لأفضل الطرق لإنشاء محتوى في ويكيبيديا والحفاظ عليه، من الناحيتين التقنية والتحريرية، مركّزةً على أهمية التجرّد أثناء إضافة المعلومات أو خلق صفحات جديدة، ورفد المعلومات بمراجع. وأشارت معوّض إلى مجموعات وشبكات نسائية عالمية تعمل على تحرير ويكيبيديا، إلا أن هذا النوع من اللقاءات لم يحدث بعد في لبنان، وما زال خجولاً في المنطقة العربية إجمالاً.

وكانت التونسية آمنة ميزوني، من العربيات الرائدات في هذا المجال، فهي من المحرِّرات الأكثر نشاطاً في ويكيبيديا العربية، وهي عضو في حركة "ويكيميديا" العالمية، وشاركت في تنظيم عدد من المؤتمرات لمحرري/ات ويكيبيديا في المنطقة العربية وأفريقيا.

في مداخلة عبر "سكايب"، عرضت ميزوني تجربتها في حركة ويكيميديا التي "ترمي إلى نشر التوعية والترويج للمعرفة والمجانية والتوثيق المجاني من أجل الأجيال المستقبلية". أما محدودية مشاركة النساء في عملية التحرير، فعزتها ميزوني إلى "إعتقادهن بأن الجانب التقني من التحرير يتطلّب الكثير من الجهد والثقافة الإلكترونية، لكن الحقيقة أن الإجراءات التقنية ليست سوى الجزء الأسهل والأبسط من عملية التحرير".

في النتيجة، تنعكس هذه الهوة الجندرية في محتوى ويكيبيديا، إذ تقلّ الصفحات التي تتناول سير ذاتية لنساء رائدات. وإذا عدنا إلى ما قبل القرن العشرين، فلن نجد سوى صفحات معدودة عنهن. كذلك، يلاحظ في السير الذاتية الخاصة بالنساء، تواتر معلومات حول أقاربهن الرجال من زوج وأب ووصي، يقابله تعتيم على نشاطهن المهني والإجتماعي. كما أنهن يُنسبن، في مقدمات المقالات التي تتناول سيرهن، إلى أزواجهن، مع التركيز على أدوارهن داخل الأسرة. وهذا بالطبع لا ينطبق على المقالات التي تتناول ذكوراً، ولا ينطبق على ويكيبيديا الإنكليزية بقدر نسختها العربية.

وفي جولةٍ في ويكيبيديا العربية، يلحظ المستخدم شدّة التغييب الذي لحق نساء عربيات فاعلات في مجال العلم والمسرح والموسيقى والنضال. وعليه، إنكبّت المشاركات في ورشة العمل على خلق صفحات للمغيّبات، كالمخرجة المسرحية لينا أبيض، والباحثة عزة شرارة بيضون. كما عمدت أخريات إلى تحرير وتعديل محتوى مقالات منشورة عن نساءٍ عربيات، يطغى عليها الحديث عن تفاصيل حيواتهن الشخصية والعائلية، من دون عرض إنجازاتهن في المجالات السياسية والنقابية والإنسانية.

قد يظنّ المرء أن قول "الرجال يكتبون التاريخ" ما عاد ينطبق على عصرنا الحالي الذي حرّرت فيه التكنولوجيا هذه الكتابة وأتاحتها للجميع لتُعرض أمام الملايين في الإنترنت، وذلك طبعاً له ما له، وعليه ما عليه، لجهة الدقة، إضافة إلى أنها "سلاح" متاح للذكورية كما هي متاحة لمناهضيها. إلا أن واقع ويكيبيديا هو دليل على إستمرار تغييب النساء عن التاريخ، فعلاً وتوثيقاً. التاريخ ما زال يُكتب ويقارب من وجهة نظر "رجالية"، حتى في ويكيبيديا. لكن هذه المرة تحمل النساء جزءاً كبيراً من المسؤولية عن هذا الإقصاء. 

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021