عندما سوَّقنا المصرف كصديق..

قاسم مرواني

السبت 28/12/2019
كنا نعمل في شركة إعلانات، نؤدي العمل الحقير في إقناع الناس بشراء منتجات ليسوا في الحقيقة بحاجة إليها. كان الأمر سهلاً في مجتمع يقوم أساساً على الاستهلاك، ويشعر الإنسان فيه بقيمته قياساً لما يملك. الأمر لم يقتصر تماماً على التسوق، بل انتقل إلى بناء أسلوب حياة معين بات الجميع يحلم بمجاراته. كنا نحدد للمستهلكين ما يجب عليهم أن يرتدوه، والسيارة التي تناسبهم، والبيت الأمثل، والطعام الذي تستحقه أمعاؤهم. كنا تماماً نلعب دور الأفعى في أسطورة آدم وحواء. بقي شيء وحيد ناقص، ماذا تفعل حواء حين تعجز عن الوصول إلى التفاحة؟ كان الجواب جاهزاً: المصرف.

أن نملك مصرفاً ضمن لائحة زبائننا يعتبر إنجازاً كبيراً للشركة. كانت المصارف تخصص جزءاً ضخماً من ميزانيتها للإعلانات، وكنت مدركاً تماماً للدور الحقير الذي أمارسه خلال كتابة إعلان تلفزيوني لأحد المصارف. أنسنة المصرف، إظهار هذا النظام المالي على أنه الصديق الذي تلجأ إليه وقت الضيق، الأب الذي سيمد لك يد المساعدة حين تحتاجها، السند الذي سيقف على تلبية كل أحلامك. كان الجميع يحلم بسيارة جديدة، منزل، أثاث جميل، المصرف كان مستعداً لتلبية كل ذلك مقابل أن ترهن نفسك له. وصل الأمر بالبعض أن استدانوا من أجل السياحة والسفر، أو من أجل السهرات الغالية خلال فترة الصيف والجميع كان يشتري ثيابه عبر بطاقات الائتمان. إفراط في الاستهلاك وتضخم في الديون، كانت نتيجته أن أحكمت المصارف قبضتها على رقاب الجميع.

لذلك ربما، لم تربطني بالمصارف سوى علاقة سطحية جداً، لا ودائع ولا قروض، بل حسابات فتحتها للضرورة، للحصول على تأشيرة سفر أو لاستلام حوالة مالية من زبون خارج لبنان. مع استفحال الأزمة الاقتصادية بات النظام الذي قضينا سنوات في بنائه مهدداً بالانهيار، أو ربما انهار وانتهى امره. يريحني أنني لن أقف على باب المصرف لأتسوّل مصروف الأسبوع، أو هكذا اعتقدت.

في "ABC Verdun" زحمة بشر خانقة قبل فترة الأعياد وخلالها، ربما لا تجد مكاناً تحشر فيه نفسك في المحلات التجارية والمطاعم. الانطباع الذي تأخذه لدى زيارة أي من المجمعات التجارية هي أن البلد بألف خير، أو أن هنالك  أناساً يعيشون في عالم  آخر، لم تطاولهم الأزمة، وربما لم يسمعوا أن هنالك ثورة في الشارع الموازي تماماً. أمامي قام رجل بدفع 800 دولار أميركي إلى أحد الباعة، بالعملة الصعبة، احتسبها البائع على سعر الصرف الرسمي، 1517 ليرة للدولار الواحد، من دون أدنى مبالاة من الشاري الذي ربما توقف زمنه عند 16 تشرين الأول. كانت كافة المولات في بيروت تعج بالمتسوقين، كأنها بُنيت لتعزل ناسها عن كل ما يحيط بهم، شعرتُ أن هذا النظام أقوى بكثير مما كنت أتصور.

كان واضحاً أن هناك شريحة لا بأس بها من الناس لم تطاولها الأزمة ولم تؤثر في نظام حياتها. شريحة صغيرة، الجزء الأكبر من الناس، صغار الكسبة، أصحاب المصالح الصغيرة والموظفون وأصحاب الودائع الصغيرة  في المصارف، كانوا قد بدأوا بملامسة القعر. هؤلاء لن تجدهم في "ABC Verdun"، بل أمام الكونتوار في كل مصرف يتسولون أموالهم.

في الوقت الذي اعتقدت فيه أنني لن أُذلّ على باب المصرف، أتتني حوالة من أحد الزبائن. ألفا دولار أميركي كان علي أن آخذها ثلاثمئة دولار أسبوعياً، على مدى أكثر من شهر ونصف الشهر، تتخللته انتظارات طويلة مع طوابير الزبائن.

أخذت معي اللابتوب تحسباً لساعات انتظار طويلة ووجدت مقعداً فارغاً أعمل منه وسط زحمة الزبائن. جميعهم يأخذون أموالهم بالقطّارة، "خارجية" حتى الأسبوع المقبل بينما بدأت المصارف تبيع، عبر المزاد العلني، ممتلكات قصّر أصحابها عن دفع سنداتها، تعرضها بوقاحة عبر صفحات "فايسبوك".

معظمهم كان مسلّماً بالأمر الواقع، فجلسوا ينتظرون مستسلمين للبنك. عندما أكل أحد الموظفين قطعة بسكويت، وقع شجار بينه وبين زبون مضى على انتظاره ساعات. كانوا صامتين، لكنهم قنابل موقوتة قد لا يطول الوقت قبل أن تنفجر. مشاكل لن تأتي بأي نتيجة تُذكر، بل ستعطي للمصارف صفة الضحية بينما يكمن الحل في المعاملة بالمثل.. لا تدفعوا ولا ندفع.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020