قوة مسلسل "جنّ" وضعفه.. بمعزل عن الانتقادات

يارا نحلة

الأحد 16/06/2019


ما أن أطلقت منصة "نتفلكس" إنتاجها العربي الأوّل، مسلسل "جنّ" الأردني، حتى هبّت بوجهها موجة سخط و"تعفّف" عربية، سارعت إلى إستنكار العمل وتبرئة ثقافة وشرف أهل الصحراء من التجاوزات الأخلاقية التي حلّت به. 

فقد زخرت حلقات المسلسل الخمس بمشاهد القبل والحميمية، وإمتلأ السيناريو بالكلمات النابية والسباب، وشوهِد المراهقون الأردنيون وهم يتعاطون الكحول والحشيش.

ووصف منتقدون المحتوى بأنه "كوارث" إرتكبها صناع المسلسل بحق الدين والأخلاق والتقاليد، وفي مقدمهم شركة الإنتاج اللبنانية "كبريت" للأخوة أبو شعيا إضافةً إلى المخرج اللبناني ميرجان أبو شعيا. فقد "مسّت" بحساسيات الجمهور الأردني الذي تفاعل غضباً معه، فإنتفضت شخصيات السياسة والثقافة، بعضها مديناً والآخر مدافعاً. 

ولم يتوقف الهجوم عند فريقي العمل والإنتاج بل طال الدولة الأردنية بسبب إفلات العمل من أجهزتها الرقابية. وقد وصل الأمر بأحد نواب البرلمان الأردني، وهو مصطفى عساف المنتمي لجماعة الأخوان المسلمين، إلى المطالبة "بمعاقبة كل من ساهم في هذا العمل المشين". 

ليست هذه الإستجابة المفرطة في إنفعاليتها وسلبيتها بالمفاجئة أو الجديدة على المجتمعات الإسلامية. فالشعور بالإهانة بسبب عمل فني، كرسم كاريكاتوري أو فيلم ديني أو قبلة سينمائية، كفيل بدفع المشاهد العربي "المُهان" إلى الإستثارة والإستشراس في الدفاع عن رموزه وأصنامه. ومن أجل ذلك، وبالرغم من إخفاقات العمل الكثيرة، لن ننضم إلى فيلق المهاجمين الملوّحين بالرقابة والمنع، بل سنبدأ بعرض نقاط القوة لمسلسل "جنّ". 

أولاً ينتمي المسلسل إلى نمط الفانتازيا، وهو ميدان نادراً ما يطأه التلفزيون العربي الذي يكاد ينحصر بالدراما، وهنا تسجّل إحدى إيجابيات هذا العمل. يصوّر المسلسل مغامرات شلة من الطلاب الثانويين مع "الجنّ". بإختصار، تدور أحداث القصة حول زيارة الطلاب إلى "البتراء"، حيث يختلطون بالجنّ للمرة الأولى. يبدأ الجنّ بالتلاعب بالمراهقين المفعمين بالهرمونات، فيقتل طالباً متنمراً حيناً، ويزعم أنه يساعد طالباً آخر، ويخفي طالبةً و"يلبس" زميلها.

أما إنجازه الثاني فيتمثّل بجمالية الصورة السينماتوغرافية التي يلتقطها لصحراء البتراء وجبالها، والتي تعزّز عنصر الإثارة والرعب الذي تدفع باتجاهه الأحداث. كما أن سرعة الأحداث في مقابل هدوء الصحراء تضفي على العمل أثراً ساحراً. وقد جاءت خيارات الموسيقى المصورة موفقة هي الأخرى، خصوصاً أنها تتألف من أغنيات أردنية وعربية تعود لفرق الـ"underground"، مثل "المربع"، و"مشروع ليلى"، وغيرها من الموسيقى العربية التي تعبّر عن أهواء الشباب. يضاف إلى ذلك مستوى الأداء التمثيلي الذي يفوق معظم الأعمال العربية اليوم.

لا يقترف القيميون على العمل أي هفوات تقنية. لكن إذا أردنا الدخول في مضمون العمل، فلا بدّ من الإعتراف بمشروعية الإنتقادات التي طالته، وذلك ليس في مقاربتها المحافظة المغلقة، وإنما في نقطة إنطلاقها التي تتضمن شيئاً من الحقيقة. 

فبصرف النظر عن دوافعها الدينية والثقافية المحافظة، تقوم الحجة الأساسية لرافضي العمل على الجزم بأن المسلسل لا يعكس صورة واقعية عن المجتمع الأردني ولا يشبه شبابه من قريب أو من بعيد. وهي، في الحقيقة، حجة لا يمكن دحضها.

يبدو بناء الشخصيات وتطورها مقتبساً تماماً عن الصنعة القصصية الهوليوودية. وكذلك الأمر بالنسبة لمسار الأحداث الذي يوازن بين عوامل الإثارة والرومانسية في معادلةٍ مدروسة وثابتة، وهو ما شهدناه سابقاً في آلاف الإنتاجات الأميركية التجارية المعدّة للإستهلاك الشعبي. 

وتجدر الإشارة إلى أن شخصيات القصة هم طلاب أثرياء يرتادون مدرسة رفيعة الشأن، ولهذا التفصيل أهمية بالغة، ذلك أنه يصبّ في سياق نمط خاص من الأفلام الأميركية، هو "أفلام المراهقين" الذي يركّز على أولاد أسر برجوازية تملك نوعاً معيناً من العلاقات والمشكلات التي لا تحاكي معظم شرائح المجتمع.

من الناحية الإبداعية إذاً، يفتقد "جنّ" إلى أي شكل من الأصالة التي ميّزت العمل السابق للمخرج نفسه وهو "فيلم كتير كبير" الذي يعرض أيضاً على نتفلكس. وعلى الرغم من الأداء الجيّد لمعظم الممثلين، إلا أن التفاعل بين الشخصيات لم يكن مقنعاً، وهذا مردّه إلى ضعف السيناريو الذي يبدو كترجمة حرفية لنص إنكليزي لا يشبه اللغة المحكية اليومية للشباب العربي، هذا إلى جانب إفتقاده للعمق والنضج. 

العمل بمجمله منفصل عن واقع الشباب الأردني، وهذا وفق شهادات الأردنيين والأردنيات التي فاضت بها مواقع التواصل الاجتماعي. ففي بلدٍ محافظ كالأردن، لا يقبّل الطلاب بعضهم بحميمية في باص المدرسة، ولا يتسامح الأهل مع التحرّر الجنسي لأبنائهم (ولا سيّما البنات)، ولا تتمحور يومياتهم حول تنظيم حفلات ضخمة وباذخة لأصدقاء صفهم. وإن كانت هذه الظواهر موجودة في دوائر قليلة، فهي ليست معبّرة عن المجتمع الأردني بأغلبيته الساحقة. 

وقد يكون وقوف إنتاج لبناني خلف مسلسلٍ أردني سبباً في هذا التشتت وأحياناً التضارب الثقافي. الدليل على ذلك هو "فيلم كتير كبير" الذي صوّر فيه المخرج مجتمعه اللبناني بكثير من المصداقية والدقة، وكانت النتيجة حصده لعدد كبير من الجوائز. كما أن الرغبة في النجاح على مستوى عالمي دفع بطاقم عمل يمتلك ما لا بأس به من الجدارة والإبتكار إلى إستنساخ نموذج عالمي ناجح مستقى من التجربة الأميركية "المضمونة"، بما يتضمنها من كليشيهات إستشراقية ورومانسية وجنسية. 

وهنا لا بدّ من السؤال: لمَ يكون أوّل إنتاج عربي لعملاق "نتفلكس" منسلخاً عن المجتمع الذي يمثّله، لصالح الرضوخ التام  للمخيلة الأميركية والوقوع في أسر إستلابها الفكري ونمطيتها المملة؟
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019