العمارة الضامرة

زياد توبة

الأحد 07/05/2017

لم تعد ظاهرة الإسمنت المتفلت وثقافته وحدها السائدة في مدينة كبيروت، بل بات الزجاج ظاهرة إضافية تُسهم في تشكيل مشهد العمارة في مدينتنا. لم تقف الحرب عند حدود الاقتتال المباشر، لا بل استمرت على أيدي مدبّريها ضمن مفهوم الضمور والانكفاء. فما كان سائداً في الحرب من وسائل حماية وانفكاك عن المشهد العام الرائج في المدينة، مشهد الاقتتال المباشر، من سواتر ترابية تغطي شرفاتنا وتحمينا من "الآخر" المفترض، أصبحت اليوم ستائر زجاجية تحمينا من مشهد مركّب على أيدي صانعي ومدبّري السلم هذه المرة.

لا يقف خراب المدينة على مستوى عمارتها ومستويات أخرى عند حدود الدمار هنا، بل يواظب على الاستمرار من خلال عمليات إعادة الإعمار حتى يصل إلى مستوياته الجديدة تحت ظل منظومة لا تقيم أي إعتبار للمساحات العامة. حتى أنها لا تقيم أي إعتبار للتخطيط المدني وتنظيم العمارة وتخصيص المساحات العامة، ولا تنفكّ عن قضم المساحات العامة لصالح حركتها التجارية العقارية. مدينة أرادت لعمارتها أن تأخذ شكلاً واقعياً لاجتماعها وإقتصادها وبيئتها، يعكس مشهداً فيه الكثير من التفكك والضمور.

 فقدنا معظم شرفاتنا المفتوحة والمزيّنة بالزريعة لصالح أبنية قائمة على مفهوم الضمور والإستغلاق. أبنية حديثة بألواح زجاجية تقيم الفصل بيننا وبين مشهد الانحلال في الخارج. على ما يبدو أن الناس تنازلت عن المساحات العامة مرغمةً لصالح مساحاتها الخاصة المستحدثة خلف الزجاج. ادخلت إلى بيوتها الشرفات وجعلتها تطل على الداخل، على الذات المنكفئة والمنطوية على نفسها. عوّضت الإندماج المفقود خارجاً بإندماج الشرفة في المنزل. الناس تستبدل الشرفة بغرفة، بشرفة على المنزل. ألواح الزجاج والستائر الإضافية والإنارة الخافتة في السقف والزريعة الداخلية كلها عناصر المشهد المؤلف حديثاً. الناس في مشهد مغلق بإحكام والسلطة في الخارج ترسم شكل المدينة بعمارات ضامرة تحيل الى داخلها كل حراك. كيف لا وكل ما يجري في الخارج، على مستوى التفلت العمراني، يدفع الناس إلى  داخل بيوتهم. وهذا لا يتوقف عن مجريات الواقع العمراني فقط، بل يتعداه إلى مستويات أخرى لها علاقة باجتماع الناس وبيئتهم واقتصادهم.

في الوقت عينه تتكاثر "المؤسسات" الرياضية كالأندية "الجيم" والملاعب المغلقة. أندية رياضية في العمارات الضامرة نفسها. أندية كالأقبية تحت الأرض بدل مواقف السيارات وأندية أخرى في الشقق السكنية. يكاد لا يخلو حي في بيروت إلا وتجد فيه نادياً، على الأقل، يقدم خدمات مدفوعة كانت في السابق متاحة مجاناً في مساحات عامة تتقلص يوماً بعد يوم.

أماكن الرياضة المدفوعة تزيد المشهد انغلاقاً وإحكاماً وضموراً. تُحوّل الأندية بعض الشقق إلى مساحات لممارسة الرياضة، فتقوم بهدم الحيطان الإسمنتية وتضع الواجهات الزجاجية وتعرض لنا وعلينا الرياضيين الجدد، أبناء المدينة الضامرة. هو استغلاق آخر وإنطواء ومراوحة. تجد الزبائن راكضين فوق ماكيناتهم كالفرسان على أحصنتهم. بيد أن هؤلاء يستقدمون الأماكن إليهم، يراوحون مكانهم خلف الواجهة الزجاجية. لا سبيل للتقدم في حالتهم، إنه تعويض عن فقدان مساحاتهم العامة أيضاً.

كما نحن القابعين خلف زجاج السيارة، نراوح مكاننا يومياً في ظل ازدحام المرور، نتبادل النظرات من خلف زجاج السيارة مع مارّة يراوحون مكانهم على ماكينات خلف الزجاج هي الأخرى، في أندية مستحدثة لتستحوذ حراكهم في الداخل. بيد أنها تعرضهم كمشاهدين لنا ومادة مشاهدة في الوقت عينه. لا سبيل للتقدم هنا سوى أن وهم المراوحة حيلتنا المشتركة في مدينة أغلقت معابرها. متاريس الناس ودِشَمِهم المستحدثة في مدينة الضمور من الزجاج. زجاج يفصلهم عن مدينة بهواء تعتمره الملوّثات والروائح الكريهة والضجيج ومشاهد الازدحام وتفاصيلها. لقد تم انتحال العمارة، لا بل تم انتحال الإجتماع ليأخذ شكل الضمور هذا. أضحى الزجاج جداراً يفصلنا عن أنفسنا. الزجاج مرآة الضمور في مدينتنا. 

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019