أثر الرغيف: ثورة سورية بلا رَدّاحين

عدنان نعوف

الأربعاء 10/06/2020
هل هي "ثورة كرامة" أم "ثورة جوع"؟ اقتصاد أم سياسة؟ إذا كان هذا التساؤل والجّدَل يَنمُّ عن شيء، فهو يَنمّ بالتأكيد عن "طفولة" فكرية وسياسية توهّمت النضج السريع، مع أن أقصى طموحاتها (مرحلة المراهَقة) تبقى بعيدة، طالما أن أصحابها ما زالوا عالِقين في العام 2011.

يُمكن لِجَولةٍ على ردود الأفعال المواكبة للحركة الاحتجاجية الجديدة في سوريا، أن تبعثَ على التفاؤل بأنّ السوريين "قد تعلّموا الدَّرس" أو أنهم في طريقهم. لكنّ ما يَخرُق هذا التصوّر مَشاهد كاريكاتورية مستهلكة لمسيرات يائسة مؤيّدة "للسيد الرئيس". وفي المقلب الآخر - وهو موضوع الحديث - بعض الأصوات الثوريّة الطفولية في تعاطيها مع الموقف المستجد، و"المُؤيّدة لأولويّة الكرامة على الخبز".

لا حاجة هنا للتوقف طويلاً عند مفردة "كرامة"، وتفكيكها على مستوى اللغة والمقاصد والتأويلات، ذلك أن المشهد العام للمنطقة برمّتها كفيلٌ بالإجابة من خلال نماذج مختلفة جُوبهت فيها حَرَكات التغيير وعُرقِلت، بِسَدِّ أفواه الجماهير المقموعة والمُفقَرة بـ"هواء" الكرامة، وتقزيم حاجات الإنسان الأساسية عبر استمرار "الرّدح ضدّ العدوّ" وترداد الشِعَارات.

صحيحٌ أنّ عذابات الكثير من السوريين "المعارضين" الشخصية والجماعية لا تزال جراحاً مفتوحة بانتظار العدالة القانونية والانتقالية، ومَفهومٌ أنّ مَن كان سَبّاقاً في مُقارعة نظام الأسد قد دَفعَ الثّمن غالياً في وقتٍ كان الكثير من أقرانه صامتين لأسباب عديدة؛ أكانت مبررة أم غير مبررة. لكنّ الصحيح أيضاً أنّ إحباط وعرقلة تراكُم الحراك السوري مجدداً سيعني إضاعة فرصة لتكوين نواة وطن جامع، ولو بعد خراب طويل. كما سيعني إطالة عُمر نظام يُفترض أن السوريين قاموا لإسقاطه، وليس لإثبات مقولات ما. أو سيؤدي إلى تغيير شكلي على طريقة استبدال شخص بشخص.

هذه الحقائق لا يُفترض أن تستدعي وَضْعَ مَن يستخفّون بالاحتجاجات الحاليّة - ممّن يتذرعون بالوفاء للبدايات وامتلاك الأفضيلة- في "الحَجْر الفكري"، بل هناك ما هو أهمّ، وهو الاستغناء عموماً عن فَرضِ الكثير من المفردات والحالات الرمزية والسلوكية، والتي قد تستحضر "عدّة الشغل الثوري" كسلّةٍ متكاملة. 

وعليه، ينبغي على من آمنوا بـ"الثورة" طَمأنة المُحتجّين والمتحفزين للمشاركة بالمظاهرات، بأنّ مشروعهم هو طموح تغييريٌّ لصالح الجميع، وأنّ سقف الطموحات أعلى مِن مجرّد توجيه شتيمة عبر الهاتف لشخص موالي للنظام، واعتبار ذلك إنجازاً. وأكبر مِن تشكيل كيانات سياسية وعسكرية لا تقدّم للناس سوى تصريحات "الربع ساعة الأخيرة"، والفقاعات الخبريّة التي لا تخجل من تكرار الكذب وتخدير العقول بالأمل. وأنّ الانتقال إلى "سوريا المستقبل" لن يقتصر على استبدال لصّ يَضع على طاولته علماً بنجمتين، بلصٍّ آخر يَضعُ علماً بثلاث نجوم!. 

من دون خطواتٍ كهذه تُلاقي المتظاهرين في منتصف الطريق، لن يَعود منطقياً لَومُ مَن يتردّدُ في الانضمام للحِراك، طالما سيفُرَضُ عليه قبول كلّ ما أفرزته السنوات الماضية باعتبارها "مُنتجات ثوريّة" تُؤخذ جملةً لا تفصيلاً! حتى وإن كان بينها مثلاً مُهرِّجٌ سابق امتطى الثورة، وكلّما شَعرَ باحتمال تدني شعبيّته ترَاهُ يشتُم "العَلويّة" لحشد الضحايا، ثمّ يخفي إفلاسه الفكري خلف عبارة موسيقية مثل :"الله أكبر ومنهُ المدد..عاشت سوريا ويسقط الأسد"!؟.

من هذا المنطلق يصبح الاحتفاء بفعل التظاهر في سوريا اليوم مع الاحتفاظ بمكانة التطبيقات العملية الكارثية من جِهات وشخصيات والتي جرّت الويلات على السوريين، مُحاولةً لذرّ الرماد في العيون، أو نوعاً من "التسلية الثورية" لعشاق المظاهرات ومُشّجعي أشكال الاحتجاج من خلف شاشة الكمبيوتر أو الموبايل، والذين يتوهمون أنهم مُقرِّرون، لمُجرَّد خَوض أحدهم تجربة (اعتقال، تعذيب..الخ).

في حين أن الواقع يقول أن من يعيشون في سوريا 2020 بمعطياتها المستجدة - في مناطق النظام أو المعارضة- هم الفاعلون المؤثرون والمتأثرون، وما عداهم من سوريي الخارج الذين تحولوا إلى طبقة وسطى فما فوق - مهما بلغت تجاربهم التي تستحق الاحترام- هُم في الحقيقة مُراقِبون، وفي أحسن الأحوال يمكن أن يكونوا داعمين لقضية إخوتهم بأكثر من طريقة.

ها هي أسواقٌ في إدلب خاوية، كما في دمشق ومناطق أخرى، وأزمة الخبز تدقّ ناقوس الخطر وتَعبُرُ فوق انتماءات سوريي الداخل، وبين بيوتهم وخيامِهم. فهل يكفي ذلك لكي يتوقف نشطاء ونُخَب وقيادات ثورية عما أسماه الكاتب الفلسطيني السوري الراحل سلامة كيلة، يوماً بـ"الرّدح ضد الاستبداد"؟ ذلك المُفكّر الذي كتبَ ما يشبه الوصية في آخر مقالاته في العام 2018، حين طالبَ بتلمُّس وضع الشعب "الجديد". مُتهماً النُّخَب بأنها "اكتفت بالردح ضد الاستبداد"، وأصرّت على "عدم رؤية وضع الشعب"، "ربما لأنها تعرف أن انحيازه للنظام هو الذي همّشها، من دون أن تفهم سبب ذلك" حسب تعبيره.

بعد كل هذا، كم سنحتاج إلى دلائل لكي نتأكد أنّ "الشبَع والكرامة" متلازمان؟ وأنّ التقليل من شأن حراك مطلبي اقتصادي، كحملة "بدنا نعيش" أو غيرها، لا يمنعه من النمو لاحقاً ليُصبح مظاهراتٍ تهتف "هيه ويلله..بشار يطلع برا"؟ 

كثيرةٌ هي العوائق أمام تَوسّع رقعة المظاهرات السورية. وبينها أوراق أمنية وطائفية لم يستخدمها النظام بعد. لكن بين العوائق كذلك بقايا "نرجسيّة ثورية" مُصرّة على تحويل "القضية السورية" إلى حالة مُتحَفيّة تكتفي بتقديس المناضلين "الشهداء والأحياء" على حساب العمل للمستقبل، وتحنيط الثورة مثلما سَبَق وحنّطَ نظام الأسد وأشباهه القضية الفلسطينية، وحوّلوها من فعل وقوّة تأثير إلى أيقونة صمّاء بكماء يَنتظرُ المؤمنون بها أن يرشح منها الزيت، من حينٍ إلى حين.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020