ميريام فارس: من باربي إلى الوجه الأسود

يارا نحلة

الثلاثاء 25/12/2018
يبدو أن المغنية اللبنانية ميريام فارس استنزفت كافة "الستايلات" المتاحة لامرأة بيضاء البشرة، مع لجوئها أخيراً إلى إطلالة "البلاك-فيس" (الوجه الأسود) التي ظهرت بها في فيديو كليب "قومي"، حيث عمدت إلى تسمير بشرتها في تعدٍّ صريح على الثقافة الأفريقية.


وطوال "كليب" الأغنية الخليجية الجديدة، تظهر فارس بأزياء إثنية إفريقية، محاطة براقصين يؤدون الرقص الأفريقي، في ما يشبه غابة إستوائية يسودها جو قبَلي بدائي. وقد تمادت الفنانة إلى حدّ الظهور ببشرة مطلية تماماً باللون الأسود، مختزلة الثقافة السوداء بزيّ وإطلالة، ما يحمل إستخفافاً بهذه الثقافة الغنية التي لطالما تمّ استغلالها من أصحاب البشرة البيضاء، وبكافة الأشكال والطرق.


والحال أن تبني الهيئة الإفريقية هو أحدث أساليب هذا الاستغلال، وذلك باستيلائه على الهوية "الإستيتيكية" لهذه الثقافة مع إغفال سائر جوانبها، وتحديداً تلك المقترنة بتاريخها الطويل مع القمع والاستعمار. كما أن إطلالة فارس السمراء غير مبررة في سياق الأغنية الخليجية التي لا تمت بصلة للثقافة الإفريقية لا من حيث الموسيقى ولا الكلمات. وهي تقع بالتالي في إطار "الفيتيشية" وتسليع الجسد الأسود بإظهاره كمشهدٍ "إيكزوتيكي". ناهيك عن التصوير النمطي للبيئة الأفريقية عبر حصرها في مناظر الغابات والأدغال النائية التي يقطنها أناس بدائيون.

طاولت فارس انتقادات كثيرة من رواد السوشيال ميديا، وضعت عملها في خانة العنصرية وإهانة الثقافات الأجنبية. وقد وصفه البعض بالعار، مطالبين بحذف الفيديو من "يوتيوب"، على إعتبار أن لون البشرة ليس مادة فنية للإمتاع والتسلية. من جهةٍ أخرى، لم يرَ البعض أي إشكالية في الفيديو، وذلك أسوةً بالنساء السمراوات اللواتي يتبنين الهيئة الشقراء وتبييض البشرة، من دون أن يتهمهن أحدهم بالعنصرية.

ليست فارس أول من يقترف فعل "التقمص الثقافي" الذي يمارسه عادةً أصحاب البشرة البيضاء بحق الأعراق الأخرى، عامدين إلى إفراغ الطقوس الثقافية من معانيها وقيمها، ومن أبعادها الاجتماعية والسياسية. فمنذ التسعينيات، إنتشرت موجة "البلاك-فيس" التي ركبتها أشهر نجمات البوب، من مادونا إلى بريتني سبيرز وكرستينا أغيليرا، وقد انضمت إليهن مؤخراً أريانا غراندي، التي انتقلت من إطلالة طبيعية شديدة الشحوب إلى هيئةٍ سمراء مزيفة تحدث التباساً في إثنية المغنية إيطالية الأصل.

عمدت تلك الفنانات جميعاً إلى تبنّي الوجه الأسود بعد تحوّل الجمال الأبيض، الذي سيطر على الشاشات لمدة طويلة- إلى منظر رتيب ومكرّر. وهذا بعكس الإطلالة السمراء التي توحي بالبدائية و"الجموح الجنسي". كذلك الأمر بالنسبة إلى فارس التي إكتشفت سريعاً أن إطلالتها الأولى، وهي إطلالة الفتاة المراهقة/الباربي- لن تدوم طويلاً كأيقونة جماهيرية، فأعادت تشكيلها مرة تلو الأخرى حتى وصل بها الحال أخيراً إلى التحوّل لإمراة سمراء.

إن تصدير الولايات المتحدة، منذ التسعينات، أيقونة أميرة البوب البيضاء التي تدّعي السواد، بدأت آثاره تظهر في مشهد البوب العربي. فإلى جانب فارس، تبرز الجهود الحثيثة التي تبذلها المغنية مايا دياب للظهور بهيئة امرأةٍ سمراء، وهي التي اعترفت باستخدامها المفرط لتقنية السولاريوم. والمؤسف في ظاهرة "البلاك-فايس" هو أن الأجساد السمراء التي تعرّضت لتمييز وعنف واحتقار على مدى قرون، ما زال استغلالها مستمراً من قبل أصحاب البشرة البيضاء، لكن هذه المرة عبر سلب معاييرها الجمالية وتحويلها إلى موضة جديدة، تستهلكها فنانات "البوب" بكل استخفاف وسطحية.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019