سليماني متجاوزاً "تقيّة" حزب الله اللبنانية:إليكم أسرار حرب تموز

نور الهاشم

الأربعاء 02/10/2019



الاسرار التي احتفظ بها "حزب الله" طوال 13 عاماً، كشفها قائد وحدة القدس في الحرس الثوري الايراني الجنرال قاسم سليماني في لقاء تلفزيوني، هو الاول له، تحدث فيه عن تجربته في حرب تموز، بائحاً بأسرار لطالما تحفّظ الحزب عن التطرق اليها، بعضها بسبب الخصوصية اللبنانية، والبعض الآخر لأسباب أمنية مرتبطة بالحرب مع العدو الاسرائيلي. 

وبمشاهد رتيبة وادارة حوار توثيقية معدة مسبقاً، ظهر سليماني في مقابلة مسجلة على الموقع الخاص للمرشد علي الخامنئي، بثتها قناة "العالم" الايرانية وقناة "الميادين"، وظهر من خلال المقابلة انها مسجلة على دفعات، ومخصصة لظروف حرب تموز في 2006، ودوره فيها، ودور المرشد الخامنئي في تغيير الانطباعات الاولى عن الحرب، وقد أعطاها بُعداً دينياً عقائدياً مباشراً، لطالما حاذر الحزب عن كشفه. 

"هدف الحرب كان التغيير الديموغرافي وابعاد الشيعة من الجنوب، تكراراً للمشروع الذي مارسوه مع الفلسطينيين"، قال سليماني في المقابلة، وكرر الفكرة بقوله ان الاسرائيليين "في البداية حاولوا تبديل القضية إلى قضية حزب معين، أي حزب الله، ثم وسعوا الأمر إلى كل الطائفة الشيعية في جنوب لبنان ليستطيعوا تنفيذ هذا التغيير الديموغرافي بالكامل في الجنوب". 

هذه المقاربة، هي الاعلان الاول عن الاهداف للحرب. لطالما تحفظ حزب الله عنها، ولم يقاربها في ادبياته منذ 2006 حتى اليوم. كانت ترد ضمن تحليلات او تلميحات معينة، لكنها غير معلنة. ويعود حجبها رسمياً على لسان قياديي الحزب الى كونها تضرّ بـ"الانتصار الوطني"، وتعطي الحرب مقاربة طائفية لا يريدها الحزب، بل تضره، وتفقد الانتصار بعضاً من مساحته الوطنية. لكن سليماني استند الى اشارات ميدانية، بينها "سقوط الحمم على القرى الشيعية" في الجنوب، فيما كان يلاحظ في مكان آخر رجل "يدخن النرجيلة"، في اشارة الى قرى غير شيعية. 

والبعد الديني الذي حاذر حزب الله الخوض به طوال 13 عاماً، كشف سليماني تفاصيله، عندما وصف القيادي الراحل في الحزب عماد مغنية، بمالك الاشتر، احد صحابة الامام علي. وعندما نقل عن الخامنئي ان هذه الحرب تشبه معركة الخندق التي خاضها الرسول محمد في بدايات الدعوة الاسلامية، وعندما تحدث عن عرفانيين، وغاص في المأثورات الدينية الشيعية المرتبطة بدعاء الجوشن الصغير، وبأصحاب الحسين في رسالة "المجاهدين الى السيد نصر الله". 

هذه الابعاد، غالباً ما لا يرددها حزب الله الذي يقارب ملف الصراع مع اسرائيل من زاوية لبنانية تتخطى الافق الشيعي، وهو ما لا يجيده سليماني الذي لم يخاطب بالمقابلة اللبنانيين فحسب، بل الايرانيين والشيعة في مواقع أخرى، للتدليل على ان ايران كانت جزءاً من المعركة، وهو كان أحد اعمدتها الثلاثة (الى جانب نصر الله ومغنية)، بوصفه مدافعاً عن الشيعة، ومتصدياً لتغيير ديموغرافي في جنوب لبنان. 
وإذا كان الحزب طمس تلك الوقائع الدينية في المعركة لأسباب مرتبطة بالخصوصية اللبنانية التي اوجد نفسه فيها كشريك سياسي يرتضي المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، فإن الاسرار الاخرى التي حالت دون كشفها طوال 13 عاماً، هي أمنية مرتبطة بالصراع مع اسرائيل. خلال أربع مقابلات تلفزيونية منذ حرب تموز أجريت مع نصر الله، رفض البوح بمكان وجوده في الحرب، وكان يقول "في مكان ما"، قبل أن يكشف سليماني ان نصر الله كان موجوداً في الضاحية، الى جانبه وجانب مغنية، وكان الثلاثة يتنقلون بين الأبنية المدمرة تحت عدسات ثلاث طائرات مسيّرة اسرائيلية في الاجواء. 



للمرة الاولى، يكشف هذا السر، كما يكشف للمرة الاولى أيضاً ان سليماني كان موجوداً الى جانبهما في غرفة العمليات. ويكشف ايضاً ان الثلاثة نجوا من استهداف كان وشيكاً حين خرجوا من مبنى فوق الارض كانت تتهاوى حوله الابنية الشاهقة، وتنقلوا بسيارة ثم بشيء آخر لم يفصح عنه، قبل العودة في الثانية فجراً الى غرفة العمليات. 

يقول: "شعرت أن خطراً جدياً يهدد حياة السيد نصر الله، وقررت أن ننقل السيد إلى مكان آخر"، وتابع: "ذهب عماد ووجد سيارة وعاد بسرعة وربما لم يستمر الأمر أكثر من دقائق، عاد بسرعة مهما أردت أن أثني على عماد أخشى بأن تختل الجلسة كما حصل بالأمس ، لكنه كان منقطع النظير خصوصاً في التخطيط . عندما وصلتنا السيارة كانت طائرات MK تحلق فوق رؤوسنا وتركز علينا وعندما وصلتنا السيارة صارت الطائرات تركز على السيارة". 



تلك المعلومات احتفظ بها الحزب كواحدة من أسرار الحرب، تماماً مثل المعلومات التي ادلى بها عن أن افق الانتصار كان معدوماً في البداية، وأن الايام من 20 الى 27 كانت الاصعب، وانه بدءاً من يوم 28 ، بدأ الاسرائيليون يقبلون بالتفاوض، وطالب الاسرائيليون باتفاق لوقف اطلاق النار عبر وزير الخارجية القطري آنذاك الذي ابلغه جون بولتون والسفير الاسرائيلي في الامم المتحدة انه اذا لم تتوقف الحرب فان جيش "اسرائيل سيتدمر ويتلاشى". 

في هذه المقابلة، لم يتجاوز سليماني صورته كرجل عسكري، لكنه حاول منح طهران ما لم تعلن عنه في السابق، بتقديمها حامية لشيعة لبنان والدول المجاورة عبر تسليط الضوء على دورها كشريك وجزء من معركة بنى عليها حزب الله صورته اللبنانية والاقليمية لسنوات مقبلة، متجاوزاً "تقية" يمارسها الحزب في الخطاب الاعلامي اللبناني مراعاة للخصوصية اللبنانية. قبل المقابلة، ليس كما بعدها بالتأكيد. 



©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019