سقط عليّ سقف بيتي وقُتلت في حروب الساحر

فوزي ذبيان

الثلاثاء 11/08/2020
كان الساحر فوق المنبر يتكلم عن نصره الإلهي. لم يكن في المدينة أحد وقد تلفَّعَت بعتمة تشبه الوحش. اما أنا، فأنا شبح لا يراني أحد سواي. كنت منذ سنتين ونيف بشراً مثل باقي البشر. سقط عليّ سقف بيتي وقُتلت في حرب من حروب الساحر. ها أنذا مجرد شبح. كنت أجوب أرجاء المدينة السوداء على وقع صوت الساحر يتناهى من كل صوب وعلى وقع زخم تصفيق حاد لأناس ليسوا على ما يرام. 

طالعتني وجوه هؤلاء الناس بملامح أخرى، ربما أبسطها في ما يلي من سرد، وربما لا. لم يكن أي منهم يعلم بوجودي أو بتحديقي في قسماته شديدة الانضباط. كنتُ بالنسبة إلى جمعهم الغفير، مجرد عدم، مجرد "لا" مترامية الأطراف.

لم أحاول في يومي، لفت انظارهم أو دعوتهم إلى الكف عن هذا التصفيق المهندَس بإحكام. كانوا يصفقون كزخم ريح فوق صحراء قاحلة، فوق مدينة ذبحها الله، وكانوا يبكون. كانوا يبكون اذا ما سألهم منتصر المنابر البكاء، وكانوا يضحكون اذا ما سألهم الضحك. تبدّى لي كساحر شاطر ينزع من كمّه الاشياء.

أنا الميت الهانئ الفضفاض، كنت أراقب كل شيء كإله في مقتبل العمر. كنتُ حاضراً عبر غياب رقيق جداً وكنتُ غائباً عبر حضور لا يخشى النظرات.

سنوات على هذا المراس: نحن والموت والساحر الشاطر.
كان يشيّد ملفوظاته الصاخبة بجهر الصوت ورصاصه. كانت كلمات منبره الضيّق تتشبث بالفقراء من اهل التصفيق كأنها صمغ تشدهم الى بعضهم البعض.
تفتقر كلمات هذا الساحر إلى الأجنحة الرقراقة، كلماته لا ترفرف كطيف عابر يتحرّى السكينة والهدوء. ان كلمات رجل المنبر، ساحر الانتصارات التي لا تخلص، رصاص مصبوب يحيل العلم إلى هشاشة ومزق حضور.

عندما كنت على قيد الحياة، سؤال واحد كان يؤرق ذهني: لماذا يحتاج هؤلاء القوم إلى كل هذه الانتصارات المتطاوسة؟!
لم يلب جواب واحد سؤالي المحموم عندما كنت ما زلت حياً. أما اليوم، وانا هذا الشبح الهنيء فقد تيقنت مجمل الجواب.
لقد مهّد موتي أمامي الدروب القمينة فأمدني بجواب لكل سؤال. نعم، إن الموت جواب نهائي، جواب مفعم بالحجج، جواب يأبى مراجعة الذات او مداورة الاحرف والكلمات والعبارات.

المدينة المعتمة تسترق السمع بحذرٍ ضجرٍ إلى صوت الشاطر، أما أنا الشبح السعيد تراني أفضّ رسائله التي يطلقها في عالم ناسه. استطيع ان اشاهد من حيث انا الآن انهم رأوا في خطاباته شعرا، رأوا في خطاباته فخراً وثمة من راى في جملة هذه الخطابات وجودا رحبا من الاحرف والكلمات.

كلمات... كلمات... كلمات!

وجود يقوم على فلش خطاب وطيّه وعلى وعد يعدو بطيش في كل اتجاه، واكثر ما يقوم على قبضة ترفع السماء. كلا، لا يستطيع السحرة ان يرفعوا السماء. هذا ما أنبأني به موتي الشاسع الذي لا يعرف حدوداً.

انا الميت السعيد بموتي أعرف أسراراً كثيرة ولم تعد تنطلي عليّ اخبار السحرة وشعّ حضورهم ولا تشدني عتمة تواريهم خلف حجب الكلمات.
لن أبوح بأسراري لحيّ، فالأحياء أعجز من أن يرهفوا السمع الى دمدمات الموتى وحكمتهم التي لا تعرف الشطط.
رأفة مني انا الشبح القائم بذاتي لن ابوح بسرّي لأحد.
"والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".

تصفيق... تصفيق... تصفيق . حسناً، لقد أنهى الساحر عرضه والجمع ينفضّ بانتظام ملحّ. أرى كل التفاصيل بعمق، فالرؤية اوضح من جهة الموت. ها انذا اتمعن في قسماتهم، اتملّى في حاجات ارواحهم، وأقصّ على نفسي اخبارهم الحزينة.

أراهم ينسحبون برؤوس مطرقة واتحرّى شوقاً لملاقاتهم هنا في عالم الموتى او هناك في عالم الاحياء.
أنهى الساحر خطاب انتصاره بينما الحشد يحث الخطى على ذلك الدرب الضيّق الذي لا يمت إليّ انا الميت بصلة ولكنه أيضا لا يمت بصلة الى عالم الأحياء.
يا لهذه الظلمة الدبقة التي تلف انحاء المدينة. يا لهذا الضيق الذي يعتريني.
فلأرفرف بجناحيّ صوب جهة اخرى ... جهة الموت او جهة الحياة فالأمر سواء.
إن المكوث في الحد الفاصل بينهما يثقل روحي ويودي بي، أنا الميت، الى ضروب مؤرقة جدا من "الهيهات"...
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020