تصعيد إسرائيلي واسع جنوبًا: غارات وقصف وتمشيط وقنابل مضيئة

المدن - سياسةالسبت 2026/10/03
تفجير في المنصوري
تفجير عنيف هز بلدة المنصوري (وسائل تواصل)
حجم الخط
مشاركة عبر

بالتزامن مع استمرار الغارات والقصف والتفجيرات الإسرائيلية في الجنوب، تحوّلت النبطية، الواقعة شمال نهر الليطاني، إلى نقطة جذب سياسية خلال الزيارة الثالثة لرئيس الحكومة نواف سلام إليها منذ تشكيل حكومته، في خطوة حملت هذه المرّة ما يتجاوز الطابع الإنمائي والتفقّدي، إلى محاولة تثبيت حضور الدولة في واحدة من أكثر المناطق تأثّرًا بالحرب وتداعياتها.

ومن النبطية، أعاد سلام رسم الخطوط السياسية التي تريد حكومته التحرّك ضمنها في المرحلة المقبلة، واضعًا عودة مؤسّسات الدولة إلى الجنوب في مواجهة معادلة الانتظار المفتوح للتسوّيات الإقليمية. وقال إن انتظار تسوية إقليمية كبرى "ليس خيارًا"، مشدّدًا على أولوية وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتحقيق الانسحاب الكامل، وإعادة الإعمار، وبناء دولة يكون لها "جيش واحد وقرار واحد"، وخصوصًا في ما يتعلّق بقرارَي الحرب والسلم. كما أعلن عن سلسلة مشاريع ومناقصات إنمائية في القضاء، في محاولة لربط الرسالة السياسية بحضور مؤسّساتي وإنمائي على الأرض.

وفي هذا المعنى، بدت زيارة سلام محاولة لتكريس مقاربة حكومية تقوم على أن الجنوب لا يمكن أن يبقى مساحة معلّقة بانتظار مآلات الصراعات الإقليمية، ولا أن يدفع لبنان مجدّدًا أثمان اتفاقات أو حروب تجري خارج حدوده. وهي رسالة تكتسب أهمية إضافية في ظلّ استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وفي وقت يحاول لبنان تثبيت مسار تفاوضي ودبلوماسي يفصل ملف الجنوب، قدر الإمكان، عن مسارات الاشتباك الإقليمي الأوسع. 

 

أمّا وفي المستجدّات الميدانيّة، أعلن الجيش الإسرائيليّ عن  إصابة ثمانية جنود إسرائيليين من اللواء المدرّع السابع، أمس، بجروح طفيفة، إثر حادث سير وقع خلال نشاط عملياتي في جنوب لبنان، فيما فتح الجيش الإسرائيلي تحقيقًا في ملابسات الحادث.

وبحسب ما نقله الصحافي الإسرائيلي زيف روبنشتاين، أظهر التحقيق الأوّلي أن مركبتين عسكريتين اصطدمتا قرب بلدة ربّ ثلاثين داخل الأراضي اللبنانية، مساء أمس.

وأشار التحقيق إلى أن الحادث وقع نتيجة الظروف الجوية السائدة في المنطقة، ولا سيّما الأمطار والوحل.

وتمّ إجلاء ستة من الجنود المصابين إلى المستشفى لتلقّي العلاج الطبي، فيما أُبلغت عائلاتهم بالحادث.

 

السقف الدولي ما زال منخفضًا

وعلى وقع هذه الرسائل الداخلية، يواصل لبنان تحرّكه الخارجي للدفع باتجاه المسار التفاوضي مع إسرائيل، على أمل أن يقود إلى خفض الاعتداءات، وإنهاء الاحتلال، وترتيب المرحلة الأمنية المقبلة في الجنوب.

وفي هذا السياق، التقى رئيس الوفد اللبناني المفاوض، السفير السابق سيمون كرم، أمين سرّ دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين، على أن ينتقل إلى باريس لعقد سلسلة لقاءات تتناول الوضع في لبنان، وخصوصًا مرحلة ما بعد انتهاء مهمّة "اليونيفيل". وكانت مصادر مطّلعة قد أوضحت أن مهمّة كرم في الفاتيكان تندرج أساسًا في إطار التشاور حول مسار التفاوض وإبقاء الكرسي الرسولي على اطّلاع على تطوّراته، لا في إطار البحث عن بديل مباشر من "اليونيفيل".

غير أن الحركة الدبلوماسية لا تعني، حتى الآن، أن الطريق بات مفتوحًا أمام صيغة نهائية للمرحلة المقبلة. فالمعادلات المتصلة بآلية المراقبة بعد "اليونيفيل"، وشكل التنسيق الأمني في الجنوب، ودور الأطراف الدولية، لا تزال موضع أخذ وردّ، فيما يحاول لبنان انتزاع صيغة لا تترك الجنوب أمام فراغ أمني أو مراقبة أحادية لا يملك التأثير فيها.

وبذلك، يتحرّك المسار اللبناني بين حاجتين متوازيتين، الأولى منع استمرار الوضع العسكري المفتوح، والثانية تفادي الانتقال من مظلّة دولية قائمة إلى ترتيبات أمنية لا تملك بيروت قدرة فعلية على ضبط شروطها أو ضماناتها.

 

السلاح ضمن "الإطار الثلاثي"

وفي موازاة التحرك اللبناني، دخل ملف لبنان مجدّدًا في صلب الاتصالات الأميركية الإقليمية. فقد بحث وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، خلال اتصال هاتفي في 2 تشرين الأول، تنفيذ ما وصفته الخارجية الأميركية بـ"الإطار الثلاثي" في لبنان، ونزع سلاح "حزب الله"، إلى جانب ملف الاستقرار في سوريا.

ووفق بيان الخارجية الأميركية، تناول الاتصال عددًا من القضايا الثنائية والإقليمية، وشكر روبيو الملك عبدالله على دور الأردن في دعم الأمن الإقليمي.

أما الديوان الملكي الأردني، فركّز في روايته على جهود خفض التصعيد، إذ شدّد الملك عبدالله على ضرورة التوصّل إلى اتفاق شامل للتهدئة يضمن أمن الدول العربية وسيادتها، وعلى الدور الأميركي في دعم الاستقرار الإقليمي. كما حذّر من تداعيات التصعيد الإسرائيلي في جنوب سوريا، وأكد دعم الأردن لدمشق في جهودها لتعزيز أمنها واستقرارها وسيادتها.

ولفت الملك كذلك إلى نتائج الجولة الأخيرة من اجتماعات "مسار العقبة" التي عُقدت في فرنسا، والتي تناولت حشد الدعم الدولي للجيش اللبناني وتعزيز قدراته بما يتيح له أداء دوره في حفظ أمن لبنان واستقراره.

ويكشف التباين بين البيانين، من حيث ترتيب الأولويات، جانبًا من المشهد الإقليمي المحيط بلبنان، إذ تضع واشنطن مسألة سلاح "حزب الله" في صلب مقاربتها للمرحلة المقبلة، فيما يركّز الأردن على منع اتساع رقعة التصعيد وتأمين مظلّة إقليمية أوسع للاستقرار.

 

مذكرة من واشنطن: تفاوض وسلاح وإصلاحات

وفي واشنطن أيضًا، سلّم وفد من "لجنة التنسيق اللبنانية، الأميركية" وزير الخارجية يوسف رجي مذكرة تضمّنت ثلاثة مسارات استراتيجية قالت اللجنة إنها تهدف إلى دعم قيام دولة لبنانية سيّدة وتعزيز التعافي والاستقرار.

وبحسب البيان الصادر عن اللجنة، جاء اللقاء على هامش وجود رجي في واشنطن، وتناول نتائج المحادثات التي أجراها مع مسؤولين أميركيين وأعضاء في الكونغرس، إضافة إلى لقاءاته في نيويورك وواشنطن.

وفي المسار الأول، دعت اللجنة إلى دعم مفاوضات لبنانية، إسرائيلية برعاية أميركية، تقودها مؤسّسات الدولة اللبنانية، وتركّز على معالجة الملفات الأمنية والحدودية وإنهاء الأعمال العدائية.

أما المسار الثاني، فتناول حصر السلاح وقرارَي الحرب والسلم بيد الدولة ومؤسّساتها الشرعية، مع الدعوة إلى استكمال تسليم "حزب الله" سلاحه وتفكيك بنيته العسكرية والأمنية خارج إطار الدولة، إلى جانب جمع السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها. وتنسجم هذه المطالب مع المبادئ المعلنة للجنة، التي تضع حصرية السلطة الأمنية بيد الدولة في صلب برنامجها السياسي.

أما المسار الثالث، فركّز على تسريع الإصلاحات الدستورية والمالية والاقتصادية، وتعزيز استقلال القضاء والشفافية، وتفعيل دور الاغتراب اللبناني في دعم الاستثمار، ونقل المعرفة، وبناء شراكات أوسع مع المؤسّسات الاقتصادية والسياسية الأميركية.

وأكدت اللجنة استعدادها للتنسيق مع وزارة الخارجية اللبنانية وحشد شبكات الاغتراب في الولايات المتحدة لدعم مسار بناء الدولة، وتنفيذ الدستور واتفاق الطائف.

 

مئوية الدستور... والنقاش يعود إلى أصل الدولة

ويتقاطع هذا الحراك السياسي والدبلوماسي مع استحقاق رمزي، لكنه شديد الصلة بالنقاش اللبناني الراهن حول شكل الدولة وصلاحياتها ومؤسّساتها، إذ تحلّ هذا العام مئوية الدستور اللبناني، الممتدّة بين عامَي 1926 و2026.

وفي هذا الإطار، يستضيف مجلس الشيوخ الفرنسي في قصر لوكسمبورغ في باريس، في 16 تشرين الأول المقبل، ندوة دولية تنظّمها مجموعة الصداقة الفرنسية، اللبنانية، بمشاركة شخصيات قضائية وقانونية وسياسية واقتصادية لبنانية وفرنسية.

ويشارك في الندوة، وفق المعلومات المتداولة حول برنامجها، المحامي ميشال قليموس، والرئيس السابق لمجلس شورى الدولة القاضي شكري صادر، إلى جانب عدد من الوزراء والنوّاب والشخصيات الاقتصادية والاجتماعية، وبحضور السفير اللبناني لدى فرنسا ربيع الشاعر، فيما يشارك من الجانب الفرنسي قانونيون وأكاديميون متخصصون بالقانون الدستوري.

ولا تبدو مناسبة المئوية منفصلة عن النقاش السياسي الدائر في بيروت. فبعد مئة عام على إقرار الدستور، يعود لبنان إلى السؤال نفسه بصيغة أكثر حدّة، أي أيّ دولة يريد، ومن يحتكر قرارها الأمني والسياسي، وكيف تستعيد مؤسّساتها سلطةً فقدت أجزاءً منها بفعل الحروب والانقسامات والتسويات المتراكمة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث