الجنوب بين تجميد التفاوض وتصعيد إسرائيل وغياب البديل

مانشيت - المدنالسبت 2026/10/03
Image-1790967760.Jpg رويترز- نواف سلام
تواصل إسرائيل توسيع الضغط. (رويترز)
حجم الخط
مشاركة عبر

بينما ترفع إسرائيل منسوب النار في جنوب لبنان، يبدو المسار السّياسيّ وكأنّه يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا، مزيدٌ من العمليات العسكريّة في الميدان، ومزيدٌ من التجميد في التفاوض. وبين الغارات والقصف المدفعيّ وعمليات التفجير الّتي تطاول بلدات في أقضية صور وبنت جبيل والنبطية ومرجعيون، يدخل لبنان مرحلة انتظار ثقيلة، لا يملك فيها موعدًا ثابتًا لمسارٍ سياسيّ، ولا ضمانة بأن الجولة العسكريّة المرتقبة ستفتح باب التسوية، فيما تتقدّم إسرائيل ميدانيًّا تحت سقف أميركيّ لا تظهر منه، حتى الآن، إشارات جدّية إلى ضغط يفرض تغييرًا في سلوكها.

 

المعادلة الّتي ترتسم أمام بيروت تبدو واضحة، التفاوض السّياسيّ مؤجّل، التفاوض العسكريّ لم يُحسم موعده نهائيًّا، ومرحلة ما بعد "اليونيفيل" لا تزال بلا صيغة متّفق عليها. وفي الفراغ بين المسارات الثلاثة، تتولّى إسرائيل فرض الوقائع بالنار.

 

السياسة إلى ما بعد الانتخابات

لا مواعيد ثابتة أو نهائية، حتّى الآن، للمسار التفاوضي. وما بات شبه محسوم، وفق مصادر سياسية رسمية لـ"المدن"، أن التفاوض السّياسيّ المباشر بين لبنان وإسرائيل دخل مرحلة تجميد، على الأقلّ حتى عبور الاستحقاق الانتخابيّ الإسرائيليّ في 27 تشرين الأوّل، فيما تبدو الملفات السّياسيّة الأوسع مرتبطة أيضًا بما ستنتجه الاستحقاقات الانتخابيّة في الولايات المتحدة.

أما المسار العسكريّ، فيبقى أكثر قابلية للحركة. وتدور الاتصالات حول عقد جولة جديدة في فلوريدا بين 20 و22 تشرين الأوّل، من دون أن يكون لبنان قد تبلّغ، وفق المصادر، موعدًا نهائيًا مثبتًا. وكانت تقارير منشورة قد أشارت إلى اقتراح 20 تشرين الأول موعدًا للجولة في تامبا، على أنّ تتركّز على الملفات العسكريّة والأمنيّة والميدانيّة، بما يشمل وقف النار والترتيبات على الأرض.

والأهم أن شكل الوفد اللبناني لم يعد تفصيلًا بروتوكوليًّا. فطبيعة التمثيل ستحدّد ما إذا كانت الجولة المقبلة استمرارًا لمسار سياسيّ – عسكريّ مختلط، أم أنها ستقتصر عمليًّا على إدارة الاحتكاك الأمنيّ. ومن هنا، تقول مصادر رسميّة لـِ"المدن" إن مشاركة رئيس الوفد اللّبنانيّ المفاوض، السفير السابق سيمون كرم، ليست محسومة بعد، خصوصًا إذا تقرّر اعتماد تمثيل عسكري موازٍ للجانب الإسرائيلي، رغم أن تقارير أخرى تحدّثت عن ترؤسه الوفد.

 

واشنطن تريد اتصالًا مباشرًا

لكن العقدة الأبعد من موعد الجولة تكمن في شكل اليوم التالي لانتهاء مهمّة "اليونيفيل". فوفق معلومات دبلوماسيّة، أُبلغ لبنان أن واشنطن لا تتحمّس لقيام قوة أمميّة بديلة في الجنوب، وتميل بدلًا من ذلك إلى تكريس قنوات تواصل مباشرة بين الجيش اللّبنانيّ والجانب الإسرائيليّ.

وإذا ثُبّت هذا التوجّه، فإن جولة فلوريدا لن تكون مجرّد اجتماع عسكريّ إضافي، بل يمكن أن تتحوّل إلى مختبر للآلية الّتي تريد الولايات المتحدة تثبيتها بعد انتهاء المظلّة الحالية، أي الانتقال تدريجيًّا من وجود دوليّ ميدانيّ يمتلك أدوات مراقبة واتصال إلى صيغة أكثر مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية.

وهنا تحديدًا تكمن حساسية الموقف اللبناني. فـ"اليونيفيل"، رغم حدود دورها، لا تزال تؤدّي مهمّات مراقبة واتصال ومنع احتكاك، وهي وظائف وصفها تقرير حديث للبعثة بأنها عامل أساسي في الاستقرار مع اقتراب انتهاء ولايتها. وبالتالي، فإن غياب بديل واضح لا يترك فراغًا عسكريًا فحسب، بل يبدّل أيضًا قواعد إدارة النزاع في الجنوب.

 

إسرائيل لا تقدّم شيئًا

حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية، لا يحمل لبنان مؤشرات فعلية إلى استعداد تل أبيب لتقديم تنازل أو خطوة مقابلة. ووفق ما يصل إلى المسؤولين اللبنانيين عبر قنوات غير رسمية، يُتوقّع أن يبقى الوضع الميداني على حاله، وربما مع رفع وتيرة الضغط العسكري، فيما لا تبدو واشنطن في وارد ممارسة ضغط حاسم لإجبار إسرائيل على الانسحاب أو وقف عملياتها.

في هذا المناخ جاء موقف رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي وليد جنبلاط، الذي شبّه المسار اللبناني بتجربة أوسلو الفلسطينية، محذّرًا من أن المطالب الإسرائيلية لا تقف عند حدود أمنية ثابتة، بل قد تتقدّم نحو السيطرة على الأرض والمياه وتوسيع الوقائع الميدانية.

وبمعزل عن المقارنة التاريخية، تكشف مواقف كهذه حجم الشكّ الداخلي في أن يتحوّل التفاوض، إذا لم يُرفق بضمانات وضغوط واضحة، من أداة لاستعادة الأرض إلى آلية لإدارة احتلال طويل الأمد.

 

الميدان يسبق التفاوض

أما على الأرض، فتواصل إسرائيل توسيع الضغط. فقد نفّذت قواتها سلسلة تفجيرات ضخمة في بلدة المنصوري، فيما شنّ الطيران الحربي غارتين على بلدة بني حيّان في قضاء مرجعيون، وسط انفجارات سُمعت في مناطق واسعة من قضاء صور.

ويعكس هذا النمط تحوّل العمليات الإسرائيلية من ضربات متفرّقة إلى ضغط ميداني متواصل يواكب التجميد السياسي، ويعزّز القدرة الإسرائيلية على فرض شروط تفاوضية انطلاقًا من الوقائع لا من التفاهمات.

وفي مؤشر إضافي إلى استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، أعلنت إذاعة الجيش الإسرائيلي إصابة ثمانية جنود من اللواء المدرّع السابع بجروح طفيفة، إثر اصطدام مركبتين عسكريتين قرب ربّ ثلاثين، مشيرة إلى أن الحادث وقع بسبب الوحل والأمطار، وأن ستة منهم نُقلوا إلى المستشفى.

 

"اليونيفيل" تودّع... والبديل مجهول

وعشيّة انتهاء مهمّتها، يعيد قائد "اليونيفيل" اللواء ديوداتو أبانيارا التشديد على أن المسار السياسي والدبلوماسي يبقى الطريق القابل للاستمرار، وهي مقاربة سبق أن كرّرها في ظل تصاعد الخروقات على طول الخط الأزرق. كما أكدت البعثة مرارًا أن أي استقرار طويل الأمد في الجنوب يتطلّب تعزيز سلطة الدولة اللبنانية، مع الجيش في قلبها.

لكن المشكلة اللبنانية اليوم ليست في تحديد الهدف، بل في الفجوة بينه وبين أدوات الوصول إليه. فالدولة تريد انسحابًا إسرائيليًا ووقفًا للاعتداءات، فيما واشنطن تدفع نحو ترتيبات أمنية مباشرة، وإسرائيل تستثمر الوقت الانتخابي لتعزيز أوراقها الميدانية.

وبذلك يدخل لبنان مرحلة لا هي حرب شاملة ولا هي تسوية. مرحلة يُجمَّد فيها التفاوض السياسي، ويُختزل المسار العسكري في إدارة الاحتكاك، بينما يجري التفاوض الحقيقي، عمليًا، بالنار وعلى الأرض.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث