للمرّة الثالثة منذ تشكيل الحكومة، يزور رئيس الحكومة نواف سلام مدينة النبطية. زيارة أراد من خلالها التأكيد أنها "تعبيراً عن التزام أردت أن أترجمه إلى متابعة وعمل"، ورسالة بأنّ الدولة تريد أن تكون حاضرة على الأرض.
ومن النبطية، وفي ظلّ التصعيد الإسرائيلي المتواصل والخطير، شدّد سلام على أنّ الضمانة الفعلية للجنوب تمرّ عبر حشد كل الإمكانات السياسية والدبلوماسية والرسمية من أجل الانسحاب الإسرائيلي الكامل، بالتوازي مع استعادة الدولة لدورها وبناء مؤسساتها وحضورها على الأرض. وأكد أن مسار التعافي وإعادة الإعمار انطلق ولن يتوقف، رغم أن حاجات الجنوب تفوق قدرات الدولة. وشدّد على أن الدولة الواحدة، جيش واحد وقرار واحد بالحرب والسلم، هي الطريق لتجنّب حروب جديدة وذرائع جديدة للاعتداء على لبنان. قائلاً: "أما أن نقول إن بإمكاننا انتظار تسوية إقليمية كبرى، فهذا بالنسبة لي ليس خياراً للبنان. لأن هذه التسوية قد تأتي او لا تأتي، أو قد تتأخر سنوات، وإذا حصلت، فقد تكون على حسابنا".
تجمع عدد من أهالي النبطية خلال زيارة رئيس الحكومة نواف سلام للمدينة، وعبروا لسلام عن مشاعرهم وحاجاتهم. ومن صرخة إمرأة جنوبية قالت: "نحنا صرنا كربلاء هون، بدنا نفتح صفحة جديدة، نوابنا عطوك الثقة"، فيما ردد البعض: "نحنا معك، معك لآخر نفس".
وكانت لسلام خلال جولته محطات عدّة، بدأت من مجمع قوى الأمن الداخلي في كفرجوز، مروراً ببلدية النبطية، حيث ألقى كلمة لأبناء المدينة والجنوب، وصولاً إلى وضع حجر الأساس لمقرّ الدفاع المدني الجديد، وزيارة مركز أمن الدولة والسرايا الحكومية بعد إنجاز أعمال ترميمها وتأهيلها.
وقال سلام في كلمة له من مدينة النبطية: "كانت زيارتي الأولى في اليوم التالي لنيل حكومتنا الثقة. يومها كان هدفي أن أسمع منكم مباشرة، وأن أفهم معاناتكم واحتياجاتكم، وأن أعرف أولوياتكم وما الذي تنتظرونه من الدولة. منذ ذلك الحين، عملنا، داخل الحكومة ومع المؤسسات الدولية، على تأمين الموارد اللازمة لإطلاق مسار التعافي وإعادة الإعمار. ثم عدت إلى النبطية بعد بضعة أشهر، والتقينا في هذه الغرفة نفسها، لأعلن بدء مسار إعادة الإعمار، بعدما كنا قد أمّنا أول رزمة من التمويل، تمهيداً للانتقال من تحديد الاحتياجات إلى التنفيذ".
وأضاف:" أعود اليوم إلى النبطية لأؤكد لكم أمراً ثابتا ألا وهو أن التزامنا تجاه أهلنا في الجنوب والنبطية لم يتغير ولن يتغير. أعرف أن عدداً كبيراً من الوزراء زاروا النبطية والجنوب خلال الفترة الماضية. وأعرف أن الناس بدأوا يسألون: لماذا كل هذه الزيارات؟ وماذا نتج عنها فعلياً؟ وللأمانة، عدد كبير من هذه الزيارات تم بطلب منّي، وكنت أتابع نتائجها شخصياً. فقد طلبت من الوزراء أن يأتوا إلى النبطية والجنوب، وأن ينزلوا إلى الأرض، لنحدد معاً أين يمكننا التحرك سريعاً، وما الذي تستطيع الدولة إنجازه بإمكاناتها الحالية، وما الذي يحتاج إلى موارد وتمويل إضافيين".
خطة التعافي وإعادة الإعمار
تابع:" كانت حاجاتكم وهمومكم معي في نيويورك وواشنطن، في كل من لقاءاتي مع الأمين العام للأمم المتحدة والمسؤولين الأميركيين ورئيس البنك الدولي، سعياً لتأمين الموارد المطلوبة لتنفيذ خطتنا للتعافي وإعادة الإعمار. أنا هنا اليوم لتأكيد عودة مؤسسات الدولة إلى عملها. فهي جزء أساسي من عودة الحياة إلى هذه المدينة العزيزة، وسوف تكون في خدمة دعم صمود أهلها الطيّبين وتثبيت بقائهم في أرضهم. قد تكون المشاريع التي نطلقها اليوم محدودة أمام حجم ما تحتاجه النبطية والجنوب، ونحن لا ندّعي غير ذلك. ننتهي اليوم من ترميم سرايا النبطية بمبادرة مشكورة من النادي الحسيني، ونعيد افتتاح مركز امن الدولة ودائرة النفوس فيها، ونعيد افتتاح مركز الأمن العام، كما سيعاد قريباً افتتاح قصر العدل".
مشاريع ومناقصات
وقال:" يعمل المجلس أيضاً على إطلاق 12 مناقصة إضافية خلال هذا الشهر، تشمل ترميم خمسة مستشفيات، من بينها مستشفى النبطية الحكومي، بالإضافة إلى توريد آليات للإنقاذ والإطفاء، كما يجري العمل على تلزيم مشاريع لتأهيل محطات الكهرباء وشبكات المياه. وبدوره بعد ان قام بمسح الاضرار ورفع الأنقاض، سوف يباشر مجلس الجنوب ببناء المقر الجديد للدفاع المدني الذي نضع اليوم حجره الاساس".
أضاف:" الى جانبي الوزيران جابر وحيدر، الفخوران بالانتماء الى هذه المنطقة الغالية من بلادنا، والموجودان اصلا معكم وبينكم. يرافقني اليوم وزير الداخلية والبلديات والقادة الامنيون، تأكيداً لدور القوى الأمنية وتعزيز حضورها وقدراتها على القيام بواجباتها. ولهذا بدأنا زيارتنا من سرية درك النبطية في كفرجوز، لنقول لضباطها وعناصرها إننا نقف إلى جانبهم، كما نطلب منهم أن يبقوا إلى جانب الناس. يرافقني أيضاً رئيس مجلس الإنماء والإعمار ورئيس مجلس الجنوب، ومعنا رئيس غرفة العمليات المركزية في رئاسة مجلس الوزراء، لأنني لا أريد أن تقتصر هذه الزيارة على افتتاح ما أُنجز، أو الإعلان عن المشاريع التي ستلزّم، بل للتأكيد ان مسيرة التعافي وإعادة الاعمار لم تنطلق الّا لتستمر".
تابع: "مسؤوليتي اليوم هي أن أصارحكم أيضاً. أنا أدرك حجم الأزمة. اعرف تعبكم وأفهم معاناة من خسر منزله، ومن خسر عمله أو مصدر رزقه، ومن ينتظر أن يتمكن من ترميم بيته أو العودة إلى بلدته واستعادة حياته. لكن حجم الحاجات يفوق إمكانات الدولة اللبنانية وقدرتها على تحمّل هذه الأعباء وحدها. لست هنا لأبيعكم أوهاماً، ولا لأعدكم بما لا أستطيع الوفاء به. فنحن لا نزال نحتاج إلى تمويل كبير. لكن اريدكم ان تثقوا اننا نسعى، وسنواصل السعي، لتأمين كل ما نستطيع تأمينه للنهوض بالجنوب. أريدكم أن تعرفوا أن أولوياتكم ستبقى أولوياتنا: وقف الاعتداءات الإسرائيلية، انسحاب إسرائيل الكامل من أراضينا، وعودة الناس عودة آمنة كريمة إلى بيوتهم، واستعادة مصادر رزقهم، وإعادة الحياة إلى مدن الجنوب وبلداته وقراه. أعرف أن بين الموجودين في هذه الغرفة من قد تكون لديه مقاربة مختلفة عن مقاربتي. وهذا حقه. لكنني أقول أمامكم ما أقوله في بيروت، وما قلته في واشنطن، وما أقوله في أي مكان، لأنني لست ممن يغيّرون كلامهم بحسب المكان أو الزمان. الضمانة الحقيقية أمامنا هي أن نمضي، وفي آن واحد، في حشد ما استطعنا من إمكانات ودعم لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل ولإعادة بناء الدولة. دولة قادرة وفاعلة، دولة واحدة لكل أبنائها، جيشها واحد، وقرارها واحد، لا سيّما قرار الحرب والسلم. فهذه هي الطريق كي لا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام حرب جديدة، أو ذرائع جديدة للاعتداء على لبنان، أو توسع جديد للاحتلال. أما أن نقول إن بإمكاننا انتظار تسوية إقليمية كبرى، فهذا بالنسبة لي ليس خياراً للبنان. لأن هذه التسوية قد تأتي او لا تأتي، أو قد تتأخر سنوات، وإذا حصلت، فقد تكون على حسابنا. ماذا لو اندلعت حرب جديدة في المنطقة؟ هل نقبل بأن يدفع لبنان والجنوب ثمنها مرة أخرى؟ وهل نبقى منتظرين، ويبقى أهلنا نازحين، وتبقى أرضنا محتلة، ويبقى أسرانا في الأسر، ويبقى الإعمار مؤجلاً، ونبقى معلّقين على ما يقرره لنا الآخرون؟ بالتأكيد، لا يمكن لعاقل أن يقبل بذلك".
وختم:"لنلتف جميعاً تحت راية دولتنا، فهي تقوى بوحدتنا ونحن نقوى بها وهي ملاذنا الأول والأخير، وحدها الضمانة لأمننا واستقرارنا ومستقبل أولادنا".
من جهته، أكد وزير الداخلية أحمد الحجار أن بلديات الجنوب متمسكة بالأرض وبالدولة، وهذا ما نبني عليه اليوم، ونقول لأهل الجنوب إنّ الدولة لا تتخلّى عن جنوبها، ونعمل بجهدنا لتحرير الجنوب، ونأمل في الوقت القريب أن ترفرف الأعلام اللبنانية في كافة مناطق الجنوب. وجزم الحجار بأن أولوية الدولة المطلقة هي تحرير الجنوب وبسط سلطة القوى الأمنية على آخر ذرة من تراب الجنوب وهذا هدف الحكومة.
بدوره أشار النائب هاني قبيسي إلى أن زيارة سلام الثالثة إلى الجنوب تدلّ على اهتمامه بالجنوب بعد الحرب الهمجية التي شنّها العدو الإسرائيلي عليه.
زيارة إمام مدينة النبطية
كما زار سلام خلال جولته إمام مدينة النبطية الشيخ عبد الحسين صادق في منزله. وقال سلام: "جئنا للتأكيد على أهمية عودة مؤسسات الدولة ولا سيما الأمنية منها ولكن الأمن وحده لا يحمي الانسان والناس بحاجة الى عودة الخدمات الأساسية ومن هنا أعلنا مجموعة من المشاريع".
سرية درك النبطية
وكان سلام بدأ زيارته من سرية درك النبطية في كفرجوز، برفقة وزير الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار، والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء رائد عبد الله، وقال: "بدأت هذه الزيارة لأؤكد أن عودة الدولة إلى الجنوب وتعزيز حضورها لا يقتصران على إعادة الإعمار وتأهيل المؤسسات، بل يعنيان أيضاً تعزيز حضور القوى الأمنية وتمكينها من القيام بواجباتها. ونحن هنا اليوم لنقول لضباط وعناصر قوى الأمن الداخلي إن الدولة تقف إلى جانبكم، وتقدّر كل ما تقومون به في هذه الظروف الصعبة. وفي المقابل، نطلب منكم أن تبقوا دائماً إلى جانب الناس، قريبين منهم، في خدمتهم وحماية أمنهم."
حجر أساس مركز الدفاع المدني
ووضع سلام حجر أساس مركز الدفاع المدني، ومن هناك أكد أنه لا يمكننا أن نضع حجر الأساس لمبنى الدفاع المدني في النبطية من دون أن نستذكر شهداء الدفاع المدني موجهًا التحية لكل العناصر الذين ضحوا ويضحون خدمة للناس آملًا في العودة قريبًا لافتتاح المركز الجديد. وأضاف سلام: "اليوم، نضع حجر الأساس لهذا المركز، وسيتولى مجلس الجنوب أعمال البناء، وإن شاء الله نلتقي هنا مجدداً، في أقرب وقت ممكن، لافتتاحه."
مقر الأمن العام في النبطية
وأكد سلام، خلال زيارته مقر الأمن العام في النبطية، أن عودة المركز إلى العمل تحمل رسالة واضحة بشأن تمسّك الدولة بأرضها وحضور مؤسساتها.
وقال: "مجرّد وجودنا هنا، وعودة مركز الأمن العام إلى عمله، يشكّلان رسالة كبيرة: هذه أرض لبنانية، نحن متمسكون بها وثابتون فيها، ومؤسسات الدولة ستبقى حاضرة فيها مهما كانت الصعوبات". وأضاف: "أحيّي ضباط الأمن العام وعناصره على كل الجهود التي بذلوها وما زالوا يبذلونها، وعلى وجودهم هنا إلى جانب الناس وفي خدمتهم، رغم كل هذه الظروف الصعبة".




