بماذا تدين بريطانيا للفلسطينيين؟

مصطفى علّوشالخميس 2026/10/01
وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند في مؤتمر حزب العمال البريطاني (Getty)
يستحق كلام وزير الخارجية البريطاني أن يؤخذ بجدية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

"مَطَر ناعمٌ في خريف بعيدْ   والعصافير زرقاءُ.. زرقاءُ والأرض عيد.

لا تقولي أنا غيمة في المطارْ فأنا لا أريدْ من بلادي التي سقطتْ من زجاج القطار

غير منديل أُمي وأسباب موت جديد" (محمود درويش)

 

في خطابه أمام الأمم المتحدة، هاجم بنيامين نتنياهو بريطانيا وفرنسا مستحضرًا تاريخهما الاستعماري، ردًا على انتقادهما سياسة إسرائيل في فلسطين. وفي لندن، وصف وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند ما يجري في مناطق من الضفة الغربية بأنه تطهير عرقي للفلسطينيين يرتكبه "مستوطنون إرهابيون"، وأعلن عقوبات على أفراد متورطين في دعم العنف أو التحريض عليه. تبدو هنا المفارقة صارخة، فرئيس حكومة قامت دولته في مسار مهّدت له بريطانيا، من خلال الاستعمار، يذكّرها باستعمارها، فيما تستخدم بريطانيا أخيرًا لغة أشد وضوحًا لوصف العنف الواقع على الفلسطينيين.

 

يحق للفلسطيني أن يرحب بتسمية الاعتداء باسمه، وأن يسأل في اللحظة نفسها، هل تكفي هذه اللغة لتصحيح ما أسهمت بريطانيا في صنعه؟ الجواب يتوقف على معنى التصحيح. فإدانة المستوطن المسلح خطوة سياسية، والعقوبات عليه قد تحمي أشخاصًا وأرضًا. أما تصحيح ظلم تاريخي امتد عبر أجيال، فيحتاج إلى اعتراف واضح بالمسؤولية، وسياسة تمنع استمرار الضرر، وجهد ملموس لاستعادة الحقوق وتعويض أصحابها.

بدأت الحكاية بوعد بلفور عام 1917. تعهدت حكومة بريطانيا، وكانت القوة الأكثر قدرة على الفعل في ذلك الوقت، بدعم إقامة "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين، في وقت كان لأهل البلاد العرب حضورهم وبيوتهم ومجتمعهم وتطلعاتهم السياسية. احتوى نص الوعد على تعهد بألا يُمسّ ما سماه "الحقوق المدنية والدينية" للجماعات غير اليهودية القائمة في فلسطين، لكنه لم يعترف لها بحق سياسي مماثل في تقرير مستقبل وطنها. تلك اللغة لم تكن تفصيلًا بريئًا، إذ منحت الحركة الصهيونية صفة شعب له مشروع قومي، ووصفت أكثرية سكان البلاد بحسب ما ليسوا عليه. ثم جاء الانتداب البريطاني ليدمج الوعد في إدارة فلسطين ويمنحه أدوات التنفيذ.

 

تكشف مذكرة كتبها آرثر بلفور إلى اللورد كرزون في 11 آب/ أغسطس 1919 مقدار الوضوح الذي رأى به أصحاب القرار هذا التفاوت. كتب بلفور أن القوى الكبرى ملتزمة بالصهيونية، وأنها، "سواء أكانت محقة أم مخطئة، حسنة أم سيئة"، تتصل في نظره بتقاليد وحاجات وآمال أعمق أهمية من رغبات العرب السبعمئة ألف الذين يسكنون البلاد. وأقرّ في المذكرة نفسها بأن بريطانيا لا تعتزم حتى إجراء مشاورة شكلية لسكان فلسطين بشأن ما يريدونه. كانت تلك مذكرة إلى كرزون، المسؤول البريطاني في لندن، والمغزى أبقى من الخلاف على التسمية فصاحب الوعد كان يعلم أن هناك شعبًا في الأرض، وقرر أن إرادته أقل وزنًا من المشروع الذي اختارته الإمبراطورية.

لم تكن دوافع السياسة البريطانية واحدة، فقد تداخلت المصالح الاستراتيجية للإمبراطورية مع حسابات الحرب العالمية الأولى، والنفوذ الأوروبي، وتأييد سياسي وثقافي للصهيونية، وتيارات مسيحية إنجيلية رأت في عودة اليهود إلى فلسطين معنى دينيًا. كما أثّر اضطهاد اليهود في أوروبا في المناخ السياسي الذي أحاط بالمشروع. الاعتراف بهذه العوامل لا يبدد السؤال الفلسطيني، بل يجعله أدق وهو بأي حق عالجت قوة استعمارية مشكلات أوروبا وطموحاتها السياسية على أرض شعب آخر، ومن دون موافقته؟

ومن الضروري أيضًا وصف المسؤوليات التاريخية بدقة، فوعد بلفور لم يُنشئ دولة إسرائيل بمفرده، وبريطانيا لم تكن الطرف الوحيد في كل ما تلاه من هجرة وصراع وحرب وتهجير. لكن محدودية هذا القول لا تعفيها من دورها المؤسس. فقد امتلكت سلطة الحكم في فلسطين خلال الانتداب، وأدارت أرضًا كان شعبها يطلب الاستقلال، فيما ظل الوعد الذي قطعته للحركة الصهيونية جزءًا من إطار حكمها. انتهى الانتداب، وبقي الفلسطينيون يواجهون نتائج قرارات لم يُستشاروا فيها.

 

لهذا يبدو استدعاء نتنياهو الماضي الاستعماري البريطاني والفرنسي محاولة لقلب موقع الاتهام أكثر مما هو مراجعة لذلك الماضي. تاريخ بريطانيا الاستعماري حقيقي، ويستحق المحاسبة، لكن النفاق يظهر في استخدامه للرد على نقد الاستيطان وهو ما يطرح سؤالًا غائبًا عن خطابه وهو أين موقع الفلسطينيين من حق تقرير المصير اليوم؟ يمكن لرئيس الحكومة الإسرائيلية أن يذكّر لندن بما فعلته الإمبراطورية، لكن هذا التذكير لا يبرر مصادرة أرض في الضفة الغربية أو طرد سكانها أو تركهم عرضة لهجمات المستوطنين.

في المقابل، يستحق كلام وزير الخارجية البريطاني أن يؤخذ بجدية. حين تصف حكومة غربية هجمات المستوطنين بأنها إرهاب، وتقر بأن فلسطينيين يُقتلعون من مناطق في الضفة الغربية، فإنها تسحب غطاء لغويًا طالما حجب طبيعة الوقائع. وحين تفرض عقوبات على من يدعمون العنف أو يحرضون عليه، تنتقل خطوة من التعبير إلى الفعل. هذه إجراءات مهمة للمتضررين منها مباشرة ينبغي الإشادة بها والتشجيع على المزيد منها، ولا ينبغي الاستخفاف بها لمجرد أنها جاءت متأخرة. 

 

غير أن قياس العدالة يبدأ بالسؤال عما إذا كانت الإجراءات توقف مصدر الضرر. فالمستوطن الذي يعتدي على عائلة فلسطينية يعمل ضمن واقع أوسع من الاعتداء الفردي لأنه يحصل بحماية وتشجيع رسمي وأمني من قبل إسرائيل. ويتم ذلك من خلال أرض تُقتطع، وحماية تُحجب عن أصحابها، وبيوت قد يُمنع أهلها من العودة إليها، ومستقبل سياسي يتقلص كلما توسع الاستيطان. العقوبة على أشخاص محددين قد تردع بعض الجرائم. أما السياسة التي تريد إنصاف الفلسطينيين، فعليها أن تواجه البنية التي تسمح بتكرارها، وأن تتابع أثر العقوبات على الأرض، وأن تراجع علاقاتها مع كل نشاط يرسخ الاستيطان.

ويشمل ذلك التجارة، فعندما تضع بريطانيا قيودًا على بضائع المستوطنات، يصبح التمييز بين الاقتصاد داخل إسرائيل والنشاط الاقتصادي في الأرض المحتلة قرارًا له أثر عملي. لكنه يظل بحاجة إلى تنفيذ ومراقبة، وإلى أن تسأل الحكومة البريطانية نفسها بانتظام بهل تسهم قراراتنا الأخرى، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تثبيت الوقائع التي ندينها؟ المسؤولية التاريخية لا تُختزل في خطاب عن سنة 1917، إنها تظهر في القرارات التي تتخذها لندن هذا العام، وفيما تفعله حين تضع إسرائيل المستوطنات أمام العالم بوصفها أمرًا واقعًا.

 

ثم تأتي مسألة الاعتراف، فالفلسطينيون لا يحتاجون إلى اعتذار يُقال في احتفال رسمي ثم يُحفظ في الأرشيف. هم يحتاجون إلى اعتراف بريطاني يصف بصورة صريحة ما فعلته الدولة حين وعدت بمستقبل سياسي لأرض لم تكن تملكها، وأدارتها على نحو لم يُنصف حق غالبية سكانها في تقرير المصير. مثل هذا الاعتراف لا يحمّل البريطانيين الأحياء ذنبًا شخصيًا عن أفعال أسلافهم، لكنه يحمّل دولتهم مسؤولية الاستمرار المؤسسي، فالدولة التي ورثت مكانة بريطانيا الدولية وأرشيفها وعلاقاتها ترث أيضًا واجب مواجهة آثار سياساتها.

 

أما التعويض الفاعل فينبغي أن يبدأ من الفلسطينيين أنفسهم، من حقوقهم واحتياجاتهم، لا من تصور بريطاني عما يصلح لهم. قد يتخذ صورة دعم قانوني لتوثيق الملكيات والخسائر والمطالبة بالحقوق، وتمويل لإعادة بناء ما دُمّر، ومساندة مؤسسات التعليم والصحة، وحماية المجتمعات المهددة بالاقتلاع. ويمكن أن يشمل فتح الأرشيف البريطاني وتيسير وصول الباحثين والفلسطينيين إلى الوثائق المتعلقة بالأرض والإدارة والتهجير. للوثيقة هنا قيمة تتجاوز كتابة التاريخ، فقد تكون سندًا لعائلة تبحث عن بيتها، أو قرية تبحث عن سجلها.

والتعويض المالي، إن طُرح، لا يغني عن الحق السياسي. قد يُعوض مال عن منزل أو محصول أو سنوات انقطع فيها الدخل، لكنه لا يشتري من شعب حقه في تقرير مصيره، ولا يحوّل اللاجئ إلى صاحب حق أقل لأن جهة ما موّلت مشروعًا تنمويًا باسمه. كذلك ينبغي التمييز بين مسؤولية بريطانيا التاريخية والتزامات إسرائيل عن أفعالها في الأرض الفلسطينية المحتلة. ففي رأيها الاستشاري لعام 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى التزام إسرائيل بجبر الأضرار الناجمة عن أفعالها غير المشروعة هناك، بما في ذلك إعادة الحال حيث أمكن والتعويض عند تعذر ذلك. الاستناد إلى هذا الرأي لا يمنح بريطانيا سبيلًا للتنصل؛ بل يحدد أحد المسارات القانونية التي تستطيع أن تدعم إنفاذها.

 

يبقى شرط أساسي لأي سياسة بريطانية ذات صدقية في أن تُصغي إلى الفلسطينيين بوصفهم أصحاب القضية. لقد تأسس الخلل الأول حين قرر آخرون مستقبل فلسطين قبل سؤال أهلها. وسيكون تكرارًا للخلل أن تحدد لندن وحدها شكل الاعتذار، ومقدار المساعدة، وحدود الحل المقبول، ثم تعلن أنها سوّت حسابها مع الماضي. الإنصاف يقتضي مشاركة فلسطينية حقيقية في تحديد الأولويات، من حماية الناس الذين يواجهون الطرد الآن إلى حقوق اللاجئين والممتلكات ومستقبل الحكم والسيادة.

تملك بريطانيا اليوم فرصة لتغيير علاقتها بتلك الصفحة الظالمة من تاريخها. وصف إرهاب المستوطنين باسمه بداية تستحق الترحيب، والعقوبات خطوة تستحق القياس بنتائجها. لكن رسالة بلفور إلى كرزون تذكّرنا بجذر المسألة في أن إرادة مئات آلاف السكان غير اليهود عُرفت ثم وُضعت جانبًا. يكون الرد على ذلك القرار بإعادة إرادة الفلسطينيين وحقوقهم إلى مركز السياسة البريطانية، وباستخدام النفوذ البريطاني لحماية الناس واستعادة ما يمكن استعادته وجبر ما لا يمكن إصلاحه بالكامل. عندها فقط تكتسب الكلمات الجديدة معنى يتجاوز مفارقة الخطابات بين لندن وتل أبيب.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث