باسيل يطلق "مرصد الحكومة" للمساءلة: أفرغتم جيوب اللبنانيين

نغم ربيعالأربعاء 2026/09/30
مرصد الحكومة جبران باسيل
يحاول "التيار الوطني الحر" تثبيت موقعه السياسي الجديد في المجلس (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

"جلسة محاكمة" علنية أرادها "التيار الوطني الحر" لرفع الصوت في مواجهة الحكومة تحت قبة البرلمان. جلسة محاسبة بالأرقام والوقائع، قدمها التكتل مساحة لعرض أداء السلطة التنفيذية ومساءلتها، وفي الوقت نفسه لتثبيت موقعه في المعارضة وتأكيد موقفه المعارض للحكومة.

عقد تكتل "لبنان القوي" مؤتمر "مرصد الحكومة" في المكتبة العامة في مجلس النواب، بحضور عدد من النواب والسفراء، بالتزامن مع دعوة رئيس المجلس النيابي نبيه بري إلى اجتماع للجان النيابية المشتركة. وقدّم التكتل المؤتمر بوصفه مساحة لعرض أداء الحكومة بطريقة "علمية ودقيقة"، من خلال ما أنجزته السلطة التنفيذية وما أخفقت في تنفيذه.

جاء المؤتمر بعد أيام من جلسة مناقشة الحكومة التي عقدها مجلس النواب في 15 و16 أيلول، والتي لم يتمكّن خلالها "لبنان القوي" من تقديم جردة الحساب التي أعدّها لأداء الحكومة. ومع انتقال النقاش إلى مساءلتها، أعاد بري تصويب مسار الجلسة، واضعاً حداً لمحاولة التكتل تحويلها إلى جلسة محاسبة، وقال لرئيسه جبران باسيل "هذه جلسة مناقشة وليست جلسة محاسبة".

وعلى هذا الأساس، لم يُتح لأعضاء التكتل تقديم مداخلاتهم كاملة، فيما سُمح لباسيل بالتحدث لنحو نصف ساعة باسم الكتلة. وبقيت الأسئلة التي أعدّها "لبنان القوي" خارج النقاش، حيث أعاد طرحها اليوم الأربعاء من خلال "مرصد الحكومة"، واضعاً حصيلة عمل الحكومة منذ نيلها الثقة أمام النواب والسفراء والرأي العام.

وتقول النائبة ندى البستاني لـ"المدن" إن عقد المؤتمر كان ضرورياً، "خصوصاً أنّه لم يُسمح لنا بالمجال أن نتكلم في المجلس"، مشيرةً إلى أنّ التكتل "أرسل أكثر من 50 سؤالاً إلى الحكومة من دون أجوبة"، معتبرةً أنّ استمرار هذا الواقع "غير مقبول".

 

تثبيت موقع المعارضة

يحاول "التيار الوطني الحر" تثبيت موقعه السياسي الجديد في المجلس باعتباره طرفاً معارضاً للحكومة. فالتيار، الذي أمضى سنوات في موقع الشريك في السلطة والحكومات المتعاقبة، ينتقل اليوم إلى موقع مساءلتها وملاحقتها سياسياً، محاولاً تحويل الملفات الحكومية إلى مادة سياسية مستمرة، وتكريس نفسه رأس حربة في المعارضة داخل المجلس.

فالحكومة "المحمية" والتي لا تواجه ضغطاً سياسياً أو شعبياً يهدد استقرارها في الشارع، دفع التيار إلى نقل المواجهة إلى مستوى آخر، مساءلة الحكومة أمام الناس عن الخدمات والاقتصاد والقدرة الشرائية، وإظهار الفارق بين ما تقوله في بياناتها ووعودها وما يلمسه المواطن في حياته اليومية.

وفي هذا السياق، كان باسيل قد أعلن أن التكتل سيقارن بين ما ورد في البيان الوزاري وما تحقق فعلياً، متحدثاً عن "64 مخالفة" يقول التيار إنه رصدها في أداء الحكومة. وفي مؤتمر "مرصد الحكومة"، وضع باسيل الخطوة صراحة في إطار الدور الرقابي للمعارضة، قائلاً "دورنا كمعارضة أن نؤدي دورنا الرقابي في استجواب الحكومة".

بهذا، يحاول التيار جعل مساءلة الحكومة عنواناً لمرحلة سياسية جديدة، منتقلاً من موقع كان فيه لسنوات جزءاً من السلطة إلى موقع المعارضة والمراقبة والمحاسبة. وفي خلفية هذا الانتقال، يحاول أيضاً الدفاع عن تجربته السابقة في الحكم، بعدما واجه انتقادات واتهامات بالتعطيل وعدم الإنجاز، عبر وضع أداء الحكومة الحالية في مواجهة أدائه السابق.

وهذا ما يوضحه كلام باسيل "الوضع الكارثي الذي كان موجوداً في السابق أفضل من الوضع الحالي الذي أوصلتمونا إليه"، في محاولة لتكريس هذه المقارنة وتحويلها إلى جزء من المواجهة السياسية مع الحكومة الحالية.

 

باسيل: "ماذا قلتم وماذا فعلتم؟"

اختار باسيل عنواناً مباشراً لهذه المواجهة "ماذا قلتم وماذا فعلتم يا حكومة؟". وهو العنوان الذي استخدمه في طرحه حول أداء الحكومة، منتقلاً من الوعود التي قطعتها في بيانها الوزاري إلى ما تحقق فعلياً على الأرض.

في ملف حصرية السلاح، سأل الحكومة "ماذا فعلتم في شأن حصرية السلاح، سوى أخذ قرار لا يمكنكم تنفيذه وانتظار العدو لتنفيذه؟". وفي الملف السيادي، اتهمها بأنها "أوقفت مشاريع مفيدة على المدى البعيد" و"وقّعت على اتفاق سلم السيادة لإسرائيل"، داعياً إلى مواصلة المفاوضات، ولكن مع "استعادة حق لبنان".

وفي الجانب الاجتماعي والديموغرافي، نقل باسيل المواجهة إلى ملف هوية لبنان، قائلاً إن البلاد "تعاني من أزمة هوية حقيقية"، ومشيراً إلى أنّ أكثر من 45 في المئة من السكان "غير لبنانيين".

وجّه رئيس "التيار الوطني الحر"، النائب جبران باسيل، انتقادات واسعة إلى أداء الحكومة، متهمًا إياها بمخالفة بيانها الوزاري في 64 موضعًا، وتحميل اللبنانيين أعباء إضافية من دون وضع خطط واضحة لمعالجة الأزمات. وطالب بعقد جلسة استجوابات نيابية لمساءلتها عن تعهّداتها، محذّرًا من أن استمرار السياسات الحالية قد يقود إلى انفجار اجتماعي.

وجاءت مواقف باسيل خلال مؤتمر صحافي عقده تكتل "لبنان القوي" في مجلس النواب بعنوان "مرصد الحكومة"، خصّصه لعرض ملاحظاته على أدائها في الملفات السياسية والاقتصادية والخدماتية، ومقارنة وعودها بما نفّذته.

واستهلّ باسيل كلمته بشكر رئاسة المجلس وأعضاء التكتل الذين أعدّوا الملفات، موضحًا أن العمل يتضمّن أكثر من 50 سؤالًا واستجوابًا موجّهًا إلى الحكومة، وأن المؤتمر يشكّل بداية مسار رقابي متواصل. وأكد أن التكتل يتحرّك من موقع "المعارضة الإيجابية والبنّاءة"، ويسعى إلى تقديم حلول تراعي صعوبة أوضاع البلاد.

في ملف انفجار مرفأ بيروت، اتهم باسيل الحكومة بتشويه الحقيقة عبر "تسريبات مسيّسة وانتقائية"، وطالب بإصدار القرار الظني بعد 6 سنوات على الانفجار. ودعا إلى إقرار قانون يحدّد مهلًا لإصدار القرارات الظنية وللتوقيف خلال التحقيقات والملاحقات القضائية، بما يمنع استمرار احتجاز الموقوفين من دون محاكمة، ويتيح مساءلة القاضي غير الملتزم بهذه المهل أو إطلاق سراح الموقوف وفق الأصول.

وفي قطاع الكهرباء، اتهم الحكومة بإيقاف معامل إنتاج كانت تعمل، رغم أنها، بحسب قوله، من الأقل كلفة في لبنان، ما يزيد اعتماد المواطنين على المولدات الخاصة. وقال إن "كل ساعة تغذية كهربائية تُحجب عن اللبنانيين تكلّفهم 185 مليون دولار سنويًا، تذهب إلى جيوب منظومة المولدات"، متهمًا الحكومة بتوسيع امتيازات هذه المنظومة والسعي إلى منح امتيازات مخالفة للدستور والقانون، من دون تنفيذ مشاريع أو وضع خطة للقطاع.

أما اقتصادياً، فاستند التيار إلى ارتفاع كلفة المعيشة في هجومه على أداء الحكومة، محاولاً تحويل الملف الاقتصادي من أرقام ومؤشرات إلى قضية يومية تمسّ المواطن مباشرة. وكان التيار قد اتهم الحكومة، في بيان سياسي سابق، بعدم التعامل مع ارتفاع الأقساط المدرسية وأسعار المحروقات وكلفة الكهرباء، وبالتقصير في مراقبة الأسعار وتفعيل أجهزة حماية المستهلك؟

 

"لا يمكن إعطاء الحكومة الثقة والتبرؤ من أعمالها"

لكن المواجهة لا تتجه إلى الحكومة وحدها. فالتيار يحاول أيضاً إعادة طرح مسألة المسؤولية على القوى التي منحت الحكومة الثقة، وفصل موقف المعارضة عن مواقف القوى التي شاركت في تأمين الغطاء النيابي لها.

وفي هذا السياق، يشرح النائب سيزار أبي خليل لـ"المدن"، رداً على الانتقادات التي تطاول التيار بسبب إتاحة المجال أمام الحكومة لنيل الثقة ثلاث مرات، أنّ التيار "يضع الأطراف السياسية كلها أمام مسؤوليتها كي لا تبقى أمام المواقف المزدوجة".

ويضيف "لا يمكننا إعطاء الحكومة الثقة والتبرؤ من أعمالها وسياساتها التي تقضي بأعباء على المواطنين وتدهور في الاقتصاد الوطني وموقعنا السيادي والسياسي في العالم".

ويتابع "واجبنا وهدفنا كوننا معارضة لبنانية أن نظهر كل مخالفات الحكومة، وهذه أسس المعارضة الديمقراطية".

 

الخدمات والغلاء

وتأخذ المواجهة بعداً آخر في الملفات التي تمسّ الحياة اليومية للبنانيين. فالمعارضة التي يريد التيار تقديمها لا تقوم فقط على الملفات السيادية والسياسية، بل تمتد إلى الكهرباء والمياه والأسعار والقدرة الشرائية والخدمات.

ويقول النائب نقولا الصحناوي لـ"المدن" إنّ ارتفاع الأسعار في لبنان بلغ، وفق الأرقام التي يستند إليها التيار، 32 في المئة، مقارنةً مع 4 في المئة في الأردن و6 في المئة في قبرص، مضيفاً "نريد من الحكومة أن تستفيق وتعرف وضع المواطن".

أما ندى البستاني، فتصف الدور الذي يريد التيار لعبه بأنّه "معارضة بنّاءة وإيجابية"، انطلاقاً من مساءلة الحكومة عمّا وعدت به في بيانها الوزاري وما أنجزته بعد 19 شهراً من عملها. وتقول "سنطرح الحلول أيضاً لأننا نريد أن نبني البلد بطريقة إيجابية"، لكنها تضيف أنّ الحكومة "ما بيّنت عم تعرف تشتغل ولا عن جدية".

بهذا، يحاول التيار الوطني الحر تقديم معارضته باعتبارها لا تقتصر على الاعتراض، بل تستند إلى ملفات سياسية ومعيشية وإلى طرح حلول، وفق ما يقوله نوابه. وفي الوقت نفسه، يريد تحويل هذه الملفات إلى أدوات مساءلة أمام الرأي العام، بعدما نقل النقاش من قاعة الهيئة العامة إلى مساحة أخرى داخل المجلس.

في المحصلة، لا يختبر "مرصد الحكومة" أداء السلطة التنفيذية فقط، بل يختبر أيضاً موقع التيار نفسه داخل المعادلة النيابية الجديدة. فبعد سنوات من المشاركة في السلطة، يحاول "التيار الوطني الحر" تثبيت معادلة مختلفة: أن يكون في موقع المعارضة، وأن يجعل من الرقابة على الحكومة والمقارنة بين وعودها ونتائجها عنواناً لحضوره السياسي في المرحلة المقبلة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث