في لبنان، يبدو رحيل القائد أحياناً أصعب من حضوره. يرحل الرجل، لكنّ الجماعة تبقى معلّقة في الزمن الذي صنعه، عاجزة عن وراثة مشروعه أو مغادرته. من بشير الجميل إلى رفيق الحريري وحسن نصرالله، ترك القادة وراءهم أكثر من فراغ في القيادة؛ تركوا جماعات تبحث في الماضي عن مستقبلها. فنحن أيتام؛ أيتام قادة ومشاريع ومغامرات وأحلام. كلّ مشروع وعد جماعته ببلد، ثم تركها تتنازع مع الآخرين على ما تبقّى منه. نختلف في كلّ شيء تقريباً، ونتشابه في عجزنا عن تخيّل مستقبل لا يكون استعادةً لزمن شعرنا فيه بأنّ التاريخ يسير معنا. هكذا تبدو السياسة اللبنانية، في أحد أعمق مآزقها، محاولةً دائمة للعودة إلى اللحظة التي ظنّ فيها كلّ مشروع أنّه انتصر، قبل أن تأتي الوقائع وتكشف حدود انتصاره.
لعلّ الشيعة في لبنان يعيشون اليوم هذه اللحظة بأقسى صورها مع غياب حسن نصرالله. لم يكن الرجل بالنسبة إلى جمهوره مجرّد أمين عام لحزب الله، بل الصلة بين مشروع كبير وواقع شديد القسوة. كانت قدرته على مخاطبة الفرد الشيعي العادي، وتفسير الخسائر والانتصارات، وضبط المسافة بين الممكن والمأمول، جزءاً من قدرة المشروع نفسه على البقاء مقنعاً. لذلك لم يترك غيابه فراغاً في القيادة فقط، بل فراغاً في وعي الجماعة وفي قدرتها على إعادة تفسير مشروعها أمام واقع تغيّر. والمفارقة أنّ غياب القائد الاستثنائي لا يفتح باب المراجعة، بل يكاد يغلقه: فنصرالله كان يملك من الشرعية ما يسمح له بتغيير الأولويات وإعادة تعريف الخيارات من دون أن يبدو متراجعاً عنها، فيما لا يبدو اليوم أنّ في الحزب من يملك الشرعية نفسها لفعل ذلك. وهكذا يصبح الوفاء له بعد غيابه أحد العوائق أمام تغيير ما كان هو نفسه قادراً على تغييره؛ يبقى الحزب قادراً على استعادة كلماته ورموزه وسرديته، لكنه يفتقد الرجل الذي كان يملك سلطة إعادة صياغتها كلّما تغيّر الواقع.
وهذه ليست تجربة شيعية حصراً. عرفها الموارنة بعد بشير الجميل، والسنّة بعد رفيق الحريري، وإن اختلفت المشاريع والظروف والنتائج جذرياً. بعد بشير، بقي لدى جزء من المسيحيين حلم لحظة قوة لم تُتح لها فرصة أن تُختبر في الحكم. وبعد الحريري، بقي لدى جزء من السنّة لبنان الإعمار والانفتاح، حتى بعدما تبدّلت شروط ذلك النموذج. واليوم، بعد نصرالله، يجد جزء من الشيعة نفسه أمام المأزق ذاته بصيغة مختلفة: يتحوّل الوفاء للمشروع إلى محاولة لاستعادة زمنه، ويصبح الاعتراف بتغيّر شروطه أشبه بالتخلّي عن شيء من هوية الجماعة نفسها. فأصبح الاحتماء بالماضي أرحم من إعادة تفسيره، فيما يبدو المستقبل خيانةً لهوية تعلّمت أن تجد معناها في ما فقدته.
وهذا اليُتم لم يعد شأناً داخلياً لكل جماعة، بل صار مأزقاً للبنان كله. فما تستعيده جماعة بوصفه زمن قوّتها، تتذكّره أخرى زمناً لخوفها أو تهميشها. لبنان الذي تحنّ إليه ذاكرة مسيحية ليس لبنان الذاكرة السنّية، ولا لبنان الذي صاغته التجربة الشيعية في العقود الأخيرة. لذلك لا تتصارع الجماعات دائماً على لبنان الذي تريد بناءه، بقدر ما تتصارع على لبنان الذي تريد استعادته. يغيب القائد، لكنّه لا يرحل؛ يتحوّل مشروعه إلى إرث، والإرث إلى أمانة، والأمانة إلى امتحان للوفاء، حتى تصبح مراجعته أقرب إلى خيانة صاحبه.
المأزق، إذن، أبعد من خلافة بشير الجميل أو رفيق الحريري أو حسن نصرالله. إنّه في قدرة الجماعات اللبنانية على الانتقال من زمن القائد إلى زمن السياسة؛ من شرعية يصنعها شخص وذاكرة وتضحيات، إلى مصالح وأفكار تقبل المراجعة والتفاوض داخل دولة لا يمكن أن تكون نصباً لانتصار جماعة، ولا تعويضاً دائماً عن خساراتها. لعلّنا، إذاً، لسنا فقط أيتام قادة اختصروا مصير جماعات بأكملها؛ نحن أيتام الأزمنة التي أقنعونا، لبعض الوقت، بأنّها لن تنتهي، وما زلنا نطالب لبنان بأن يتوقّف عندها.




