يُولد التاريخ من التناقض. تتحرّك المجتمعات حين تصطدم بما بنته، وتعيد اكتشاف ذاتها عندما تعجز الصيغ القديمة عن استيعاب التحوّلات الجديدة. وفي الفلسفة الهيغليّة، لا تبدو الصيرورة مجرّد تعاقبٍ للأحداث، بل حركةً يتواجه فيها الواقع مع تناقضاته، فينشأ من هذا التوتّر إمكان الانتقال إلى حالةٍ أرقى. التّاريخ، بهذا المعنى، ليس ما يحدث فقط، بل ما يتكوّن من خلال ما يحدث. ولبنان، منذ نشوء كيانه، يعيش صيرورةً لم تبلغ اكتمالها بعد.
لقد أثبت الكيان اللبناني قدرةً استثنائيّةً على الاستمرار. حروبٌ وانقساماتٌ واحتلالاتٌ ووصاياتٌ وانهياراتٌ وتحولاتٌ إقليميّةٌ ودوليّةٌ متلاحقة، رغمًا عنها بقي لبنان. تغيّرت موازين القوى من حوله وداخله، وتبدّلت الاصطفافات، وسقطت مشاريع ونشأت أخرى، فيما ظلّت فكرة لبنان قادرةً على إعادة إنتاج حضورها. غير أنّ المفارقة الكبرى تختصر الكثير من أزماته. إستمرّ الكيان فيما تعثّرت الدولة. من هذه المفارقة ينطلق السؤال الفلسفي والسياسي معًا، كيف استطاع لبنان أن يحافظ على صيرورة كيانه، فيما دخلت دولته في مسارٍ متواصلٍ من التشلّع؟ تساعد جدليّة هيغل على مقاربة هذا السؤال، لا عبر إسقاطٍ ميكانيكيّ لفلسفةٍ ألمانيَّة-أوروبيَّة على تجربةٍ لبنانيّة شديدة الخصوصيّة، بل من خلال فهم التاريخ بوصفه حركة تناقضٍ وتجاوز. الصيرورة عند هيغل لا تحصل خارج التناقض، بل من داخله. وما يبدو أزمةً قد يحمل في ذاته إمكان التحوّل، شرط أن ينتقل المجتمع من إدارة التناقض إلى تجاوزه في تركيبٍ جديد. والتناقض اللبناني التأسيسي يمكن اختصاره بسؤالٍ واحد. كيف تتحوّل الجماعات التي أسهمت في صناعة الكيان إلى مواطنين/ات متساوين/ات يصنعون الدولة؟ تلك هي العقدة التي رافقت لبنان الحديث.
الكيان يستطيع أن يحتضن تعدّد الجماعات، أمّا الدولة فتحتاج إلى وحدة المرجعيّة الدستوريّة. الكيان يستطيع أن يعترف بتعدّد الهويّات والانتماءات، أمّا الدولة فلا تستقيم مع تعدّد السيادات. المجتمع يستطيع أن يكون متنوّعًا إلى أقصى الحدود، فيما القرار السيادي لا يمكن أن يكون متعدّدًا إلى ما لا نهاية. هكذا بقي لبنان معلّقًا بين منطقين. منطق الجماعة ومنطق المواطنة. لم تستطع الدولة إلغاء الجماعات، هذا ليس مطلوبًا أصلًا. لكنّها لم تنجح أيضًا في جعل المواطنة الإطار السياسي والقانوني الأعلى الذي تنتظم داخله هذه الجماعات. وبقي الفرد اللبناني، في كثيرٍ من الأحيان، مواطنًا في النصوص وعضوًا في جماعةٍ في الممارسة السياسيّة والاجتماعيّة.
تكتسب فلسفة هيغل راهنيّتها عند هذه النقطة تحديدًا. الدولة في تصوّره تتجاوز كونها جهازًا إداريًّا أو سلطةً قائمة فوق المجتمع؛ إنّها المجال الذي تتحوّل فيه الحرّيّة من إرادةٍ فرديّة إلى حرّيّةٍ موضوعيّة يحميها القانون. والمؤسّسات ليست نقيض الحرّيّة، بل شرطها. حين يعرف الإنسان أنّ حقوقه لا تتوقّف على انتمائه أو علاقاته أو موقعه داخل جماعته، بل يضمنها قانونٌ عامّ ينطبق على الجميع، تصبح الدولة تعبيرًا عن الحرّيّة بدل أن تكون قيدًا عليها. في التجربة اللبنانيّة، إختلّت هذه المعادلة مرارًا. تحوّلت الحرّيّة إلى حرّيّاتٍ بلا دولة، والتعدّديّة إلى تعدّدٍ في المرجعيّات، والتوافق إلى حقّ تعطيل، والخصوصيّة إلى امتياز، والتسوية إلى بديلٍ من انتظام المؤسّسات. وبالتدريج نشأ نموذجٌ بالغ الغرابة. مجتمعٌ شديد الحيويّة داخل دولةٍ شديدة الهشاشة. من هذا الواقع يتولّد ما يمكن وصفه بـتشلّع الدولة. التشلّع أعمق من الانهيار. الإنهيار لحظةٌ يمكن تحديدها، أمّا التشلّع فمسارٌ تراكمي. تبقى المؤسّسات قائمةً في الظاهر، وتتشكل الحكومات، وتعمل الإدارات، وتُسنّ القوانين، وتُعقد جلسات مجلس الوزراء والبرلمان، فيما تتآكل تدريجيًّا فكرة الدولة نفسها. تتوزّع وظائفها بين قوىً سياسيّةٍ وطائفيّةٍ وأمنيّةٍ واقتصاديّةٍ واجتماعيّة، وتتراجع قدرتها على إنفاذ القانون بالتساوي، واحتكار القرار السيادي، وحماية المصلحة العامّة. إنّه انتقالٌ خطير من دولةٍ تعاني ضعفًا في أدائها إلى دولةٍ يتآكل مبرّر وجودها بوصفها المرجعيّة العليا للمجتمع.
الأخطر، أنّ التشلّع يعيد إنتاج شروطه. حين تضعف الدولة، يبحث الفرد عن الحماية داخل جماعته. وحين تتضخّم وظائف الجماعة، تزداد الدولة ضعفًا. ومع تراجع الثقة بالمؤسّسات تتوسّع الزبائنيّة، ثم يتحوّل الإصلاح نفسه إلى تهديدٍ لشبكات المصالح التي نشأت على أنقاض المؤسّسات. وبذلك تنتقل اللّادولة من حالةٍ استثنائيّة إلى نظام مصالح، ومن نظام مصالح إلى ثقافةٍ سياسيّة وسلوكٍ اجتماعي.
إنّها جدليّةٌ سلبيّة. الدولة الضعيفة تنتج جماعاتٍ أقوى من مؤسّساتها، والجماعات المتضخّمة تعيد إنتاج دولةٍ أضعف. لكنّ الجدليّة الهيغليّة لا تنتهي عند التناقض. التَّناقض يحمل في داخله إمكان تجاوزه. وقد يكون ذلك مدخلًا إلى إعادة صياغة السؤال الوطني اللبناني نفسه. على مدى عقود، انشغل اللبنانيّون/ات بسؤال. كيف تتقاسم الجماعات الدولة؟ أمّا السؤال الذي تفرضه تجربة قرنٍ كامل فهو كيف نبني دولةً تحرّر الجماعات من حاجتها إلى تقاسمها؟ الفارق بين السؤالين هو الفارق بين التَّسوية والدَّولة.
في التَّسوية، تبحث كلّ جماعة عن ضماناتها في مواجهة الأخرى؛ وفي الدَّولة، يجد الجميع ضماناتهم في الدستور. في التسوية، تتحوّل موازين القوى إلى مصدرٍ للحقوق؛ وفي الدَّولة، تكون الحقوق ثابتةً مهما تبدّلت موازين القوى. في التسوية، يحتاج الفرد إلى حماية جماعته؛ وفي دولة المواطنة، تحمي المؤسّسات الفرد والجماعة معًا. يصبح الانتقال من الطائفة إلى المواطنة، وفق هذا المنظور، إنتقالًا سياسيًّا ودستوريًّا لا هويّاتيًّا. فلا يُطلب من اللبناني أن يتخلّى عن دينه أو ثقافته أو ذاكرته أو خصوصيّته، بل أن يصبح انتماؤه الوطني أساس علاقته بالدولة، وأن يتوقّف انتماؤه الجزئي عن تحديد قيمة حقوقه السياسيّة والمدنيّة. عندئذٍ يغدو الدستور المساحة المشتركة التي تلتقي فيها الهويّات المختلفة من دون أن تلغي بعضها بعضًا.
تحمل التجربة اللبنانيّة، على قسوتها، إمكانًا تأسيسيًّا من هذا النوع. لبنان الذي دفع أثمان التعدّديّة غير المحكومة بالدولة يستطيع أن يقدّم نموذجًا آخر. دولةٌ لا تلغي التعدّد، بل تحميه بقوّة المواطنة؛ دولةٌ تكون فيها الوحدة السياسيّة شرطًا للتنوّع المجتمعي، والسيادة شرطًا للحرّيّة، والقانون شرطًا للمساواة، والمؤسّسات شرطًا للاستقرار. ضمن هذا المسار، تكتسب وثيقة الوفاق الوطني - اتّفاق الطائف والدستور دلالةً تتجاوز كونهما صيغةً لإنهاء الحرب. إنّهما يشكّلان محاولةً غير مكتملة لنقل لبنان من توازن الجماعات إلى انتظام الدولة. تمثّلت المعضلة في تعطّل هذه الصيرورة المؤسّساتيّة. إصلاحات لم تُستكمل، مؤسّسات لم تُنشأ، قواعد دستوريّة خضعت لموازين القوى، وسيادة بقيت موضع نزاعٍ بدل أن تصبح قاعدةً نهائيّة للاجتماع السياسي. لذلك، يحتاج لبنان إلى استكمال انتقاله التاريخي من كيانٍ متعدّد إلى دولة مواطنةٍ تعدّديّة، أكثر ممّا يحتاج إلى إعادة اختراع نفسه عند كلّ أزمة أو البحث عن عقدٍ جديدٍ كلّما تعطّلت ممارسة العقد القائم. تبلغ الجدليّة معناها اللبناني الأعمق عندما نميّز بين بقاء الكيان واكتمال الدولة.
لقد نجح اللبنانيّون/ات، رغم كلّ شيء، في إبقاء الكيان. لكنّ الحفاظ عليه لم يعد كافيًا. الكيانات تستطيع أن تستمرّ طويلًا في حالاتٍ من الهشاشة، فيما المجتمعات تُستنزف، والمؤسّسات تتحلّل، والسيادة تتآكل، والمواطنون يهاجرون. والاستمرار التاريخي للكيان لا يعني اكتماله السياسي. لذلك، بات الانتقال واجبًا من سؤال بقاء لبنان إلى سؤال نوع لبنان الذي نريد له أن يبقى. إنّها صيرورةٌ تتطلّب الانتقال من جماعاتٍ تتفاوض على حصصها إلى مواطنين/ات يتشاركون مصلحةً عامّة، ومن تسوياتٍ تؤجّل الأزمات إلى دستورٍ يحكمها، ومن تعدّد الشرعيّات إلى وحدة الشرعيّة، ومن إدارة اللّادولة إلى بناء الدولة.
عند بلوغ هذا التحوّل، تخرج الجدليّة اللبنانيّة من دائرتها المغلقة. التحدّي لم يعد إثبات وجود الكيان بقدر ما أصبح اكتمال معنى هذا الكيان في الدولة. وبعد أكثر من قرنٍ على دولة لبنان الكبير، يصبح السؤال جذريًّا. هل تبقى الدولة مساحةً تتقاسمها الجماعات، أم تصبح المجال الذي تتجاوز فيه الجماعات خوفها التاريخي بعضها من بعض؟ ربّما تكمن خلاصة التجربة اللبنانيّة كلّها في هذه المعادلة. الكيان الذي لا يكتمل دولةً يبقى أسير تناقضاته، والدولة التي لا تقوم على المواطنة تبقى إدارةً مؤقّتةً لهذه التناقضات. لقد صمد لبنان كيانًا بما يكفي. وحان أن يكتمل دولةً.




