الضاحية في الذكرى الثانية:الإحياء في الشوارع أكثر من المنابر

مالك دغمانالاثنين 2026/09/28
الذكرة السنوية الثانية
وصل مشاركون من مناطق مختلفة، بعضهم سيراً بعدما تعذر الوصول بالسيارات (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

في الضاحية الجنوبية لبيروت، لم تبدأ ذكرى اغتيال السيد حسن نصرالله من المنصة في بئر حسن. منذ ساعات الظهر، كانت الطرق المؤدية إلى مكان المهرجان المركزي تشهد حركة متزايدة، فيما انتشرت الصور والرايات على جوانب الطرق، ووصل مشاركون من مناطق مختلفة، بعضهم سيراً بعدما تعذر الوصول بالسيارات إلى محيط مكان الاحتفال.

بعد عامين على 27 أيلول 2024، بدت المناسبة موزعة بين ما يجري في الشوارع وما سيعرض على المنصة: حركة المشاركين، صور الشهداء، المحال التي فتحت أبوابها، وأبنية لا تزال تحمل آثار الحرب، وصولاً إلى شاشة كبيرة أعادت عرض أرشيف نصرالله وخطاباته.

 

من البسطة إلى بئر حسن سيراً

مع ارتفاع أعداد المشاركين، ترك عدد من القادمين سياراتهم في مناطق بعيدة عن بئر حسن، وأكملوا طريقهم سيراً.

من بين هؤلاء، شبان قدموا من منطقة البسطة، حاملين رايات وصوراً لنصرالله. وعلى الطريق نفسه، ظهر مشاركون يحملون العلم اللبناني، فيما انتشرت صور الشهداء إلى جانب صور الأمين العام السابق لـِ «حزب الله».

لم يكن الوصول إلى مكان الاحتفال سهلاً. الحواجز والإجراءات الأمنية فرضت مسارات محددة على حركة المشاركين، فيما تركزت أعداد كبيرة عند المداخل المؤدية إلى بئر حسن.

 

الجنوب في بئر حسن

الحضور لم يقتصر على سكان الضاحية وبيروت. من الجنوب، وصل مشاركون إلى المهرجان المركزي، رغم إقامة فعاليات في عدد من البلدات الجنوبية.

من حارة صيدا، حضرت فاطمة إلى بئر حسن. وتحدثت عن قرارها بالمشاركة في المناسبة في العاصمة، فيما وصل آخرون بعد ساعات من السفر من مناطق جنوبية مختلفة.

على الطرق المؤدية إلى مكان الاحتفال، اختلط القادمون من المناطق المختلفة، فيما كان واضحاً حضور الصور والرايات الخاصة بالمناسبة.

 

صور الشهداء بين الحشود

إلى جانب صور نصرالله، حمل مشاركون صور أقارب وأبناء قضوا خلال الحرب. بين الحاضرين، أمهات حملن صور أبنائهن، فيما وضعت إحداهن صورة ابنها على صدرها. وقالت إنها ستتوجه بعد عودتها إلى الجنوب إلى المكان الذي قضى فيه، لجمع كمية من ترابه والاحتفاظ بها إلى جانب صورته.

تفاصيل من هذا النوع كانت حاضرة بين الحشود، بعيداً عن المنصة والخطابات، مع تحوّل صور الشهداء إلى جزء من المشهد العام للمناسبة.

الذكرى الثانية حزب الله

 

المحال مفتوحة في يوم مزدحم

في الشوارع المحيطة، لم تتوقف الحركة التجارية بالكامل. بعض المحال بقيت مفتوحة، فيما وزع أصحاب متاجر المياه والعصائر على المشاركين.

أبو عباس، صاحب أحد المتاجر، كان من بين الذين تولوا توزيع المياه. يقول إنه أصيب في القصف الذي استهدف حي السلم في 8 نيسان الماضي، وفقد أقارب ورفاقاً. وخلال اليوم، بقي في متجره يوزع المياه على المارة.

وفي الوقت نفسه، استمرت حركة السيارات والمشاة في الشوارع، بالتوازي مع وصول المشاركين إلى بئر حسن. المناسبة، بذلك، لم توقف الحياة اليومية في المنطقة، بل تداخلت معها: متجر مفتوح، حركة سير، ومشاركون يتجهون إلى المهرجان في الوقت نفسه.

 

أبنية تغيّرت وأخرى بقيت كما هي

في بئر العبد وحارة حريك، يظهر الفارق بين الضاحية اليوم وما كانت عليه بعد الحرب. أبنية وواجهات أعيد ترميمها، فيما لا تزال أبنية أخرى متضررة أو قيد إعادة البناء.

وفي الشوارع، لم تقتصر الصور المرفوعة على صور الشهداء. كست صور حسن نصرالله وصفي الدين عدداً من الواجهات، إلى جانب صور آخرين ممن استشهدوا خلال الحرب. وفي بعض الشوارع، يستعيد السكان مواقع الغارات من خلال تحديد الأماكن التي كانت فيها أبنية أو محال قبل تعرضها للقصف.

إعادة الإعمار "لمن استطاع إليها سبيلا" غيّرت جزءاً من المشهد، لكنها لم توحّد صورته. فإلى جانب الأبنية التي استعادت نشاطها، لا تزال آثار الدمار ظاهرة في مناطق أخرى.

وهنا تبدو الذكرى مرتبطة بالمكان بقدر ارتباطها بالحدث نفسه. فبعد عامين، لا تُستعاد المرحلة السابقة عبر الصور والأرشيف فقط، بل من خلال مبانٍ وشوارع تغيّر شكلها، وأماكن لا يزال سكانها يحددونها باعتبارها مواقع سابقة للغارات.

 

الشاشة الكبيرة تستعيد أرشيف نصرالله

مع بدء المهرجان المركزي في بئر حسن، انتقل جزء من المشهد إلى المنصة. على الشاشة الكبيرة الموضوعة في وسطها، عُرض فيديو تضمن مقتطفات من كلمات نصرالله ومشاهد لعمليات عسكرية نفذها «حزب الله» خلال السنوات الماضية.

وتوقف الفيديو عند عدد من خطاباته الموجهة إلى الجيل الجديد، إلى جانب مشاهد أرشيفية تعود إلى مراحل مختلفة من السنوات الماضية.

تابع الحاضرون العرض من أمام المنصة. وظهر التأثر على عدد من المشاركين، وبينهم شبان وكبار في السن، فيما بكى بعض الحاضرين خلال عرض بعض المقاطع.

كان المشهد مختلفاً بين شخص وآخر: البعض تابع الشاشة بصمت، فيما تفاعل آخرون مع الكلمات والصور التي يعرفونها من سنوات سابقة.

الذكرى الثانية الضاحية (مصطفى جمال الدين)

الذكرى بين جيلين

الصور القديمة لنصرالله لم تكن حاضرة فقط على المنصة. انتشرت أيضاً في الشوارع وعلى الرايات وفي هواتف المشاركين.

في المكان نفسه، يمكن مشاهدة أشخاص عايشوا سنوات طويلة من مسيرة نصرالله إلى جانب شبان أصغر سناً يستعيدون خطاباته ومشاهده من الأرشيف.

الفيديو المعروض على المنصة وضع هذا الأرشيف في قلب المناسبة، من خلال مقاطع تستعيد خطاباته ومراحل من نشاط «حزب الله»، مع تركيز على الرسائل التي كان يوجهها إلى الأجيال الأصغر.

هذا الحضور المتعدد الأعمار يعطي المناسبة أكثر من طريقة لاستعادة الشخصية والمرحلة التي ارتبطت بها. بالنسبة إلى من عايش تلك السنوات، تأتي الصور كجزء من ذاكرة شخصية وسياسية، بينما يتلقى الأصغر سناً جزءاً من هذه الذاكرة عبر المقاطع القديمة والصور والخطابات المعروضة في المناسبة.

 

عامان غيّرا المشهد

في 27 أيلول 2024، كانت أجزاء من الضاحية تعيش تحت وقع القصف والدمار والنزوح. بعد عامين، عادت الحركة إلى معظم الشوارع، وبدأت أعمال إعادة البناء في عدد من المناطق.

لكن المقارنة بين الصورتين لا تتوقف عند العمران. الصور القديمة لا تزال موجودة، وأسماء الذين قتلوا خلال الحرب حاضرة في المناسبات، فيما يستعيد السكان مواقع الغارات من خلال ما بقي في الذاكرة أو ما أعيد بناؤه في المكان نفسه.

بدت الضاحية في حركة طبيعية في أجزاء منها، لكنها كانت في الوقت نفسه تعيش مناسبة مرتبطة مباشرة بمرحلة غيّرت شكل المنطقة وسكانها.

وهنا تظهر مفارقة المشهد: جزء من الضاحية يحاول استعادة إيقاع الحياة اليومية، فيما تبقى الحرب حاضرة في تفاصيل المكان وفي المناسبات التي تستعيد أسماء وصور من قتلوا خلالها.

الذكرى الثانية الضاحية (مصطفى جمال الدين)

 

من اغتيال الشخص إلى ذاكرة المكان

بعد عامين، لا تبدو الذكرى محصورة في استعادة شخصية نصرالله أو في المهرجان المركزي وحده. في الضاحية، أصبحت مرتبطة أيضاً بمجموعة من العلامات المكانية والبشرية التي يمكن رؤيتها في الشارع.

صور الشهداء، الأبنية المتضررة، مواقع الغارات التي يستعيدها السكان، والمحال التي عادت إلى العمل، كلها تجعل المرحلة السابقة جزءاً من المشهد اليومي، لا مجرد حدث يُستعاد في مناسبة سنوية.

وفي هذا السياق، يمثل مهرجان بئر حسن الجزء الأكثر وضوحاً وتنظيماً من الذكرى، عبر المنصة والشاشة والخطابات. لكن الشوارع المحيطة تقدم طبقة أخرى منها: أشخاص فقدوا أقاربهم، مشاركون قطعوا مسافات طويلة للوصول، متاجر تواصل عملها، وأحياء يتداخل فيها الجديد مع آثار الدمار.

 

ما بين الشارع والمنصة

في بئر حسن، أخذت المناسبة شكلها الرسمي على المنصة والشاشة والخطابات. أما في الطرق المؤدية إليها، فكانت الذكرى تظهر بطريقة مختلفة: مشاركون يمشون لمسافات طويلة، صور يحملها الأهالي، متاجر تواصل عملها، وأبنية لا تزال آثار الحرب ظاهرة عليها.

بعد عامين، لم تعد صورة 27 أيلول مرتبطة بمشهد واحد. الشاشة تستعيد الأرشيف، والحشود تستعيد المناسبة في الحاضر، فيما تحمل صور الشهداء وآثار الدمار جزءاً من الذاكرة التي تركتها الحرب في المكان.

وبين الصورة القديمة والمشهد الحالي، تبدو الضاحية في مرحلة مختلفة: حركة يومية عادت إلى الشوارع، إعادة إعمار مستمرة في أجزاء منها، وذكرى لا تُعرض فقط على منصة، بل تظهر أيضاً في تفاصيل المكان وسكانه.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث