في الرابع من تشرين الثاني 1979، اقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأميركية في طهران واحتجزوا الدبلوماسيين والموظفين فيها. استمرت أزمة الرهائن 444 يوماً، وانتهت في 20 كانون الثاني 1981، يوم تسلم رونالد ريغان الرئاسة الأميركية.
لم تكن مجرد أزمة دبلوماسية. تحولت السفارة، التي سماها الثوار "وكر التجسس"، إلى أحد الرموز المؤسسة للجمهورية الإسلامية، وتحولت الولايات المتحدة، "الشيطان الأكبر"، إلى الخصم الذي ساهمت مواجهته في تثبيت هوية النظام داخلياً وموقعه إقليمياً.
منذ ذلك اليوم، لم يعد الخلاف بين طهران وواشنطن خلافاً تقليدياً بين دولتين. صار العداء نفسه جزءاً من بنية العلاقة.
لكن البلدين، طوال ما يقارب نصف قرن، لم يتوقفا عن التفاوض والتعامل والبحث عن بعضهما كلما فرضت المصالح ذلك.
إيران غيت: العداء لا يمنع الصفقة
بعد سنوات قليلة من أزمة السفارة، انفجرت فضيحة "إيران–كونترا". كانت إدارة رونالد ريغان قد دخلت سراً في ترتيبات لبيع أسلحة لإيران التي كانت تخوض حرباً مع العراق، فيما استخدم جزء من الأموال لتمويل مقاتلي الكونترا في نيكاراغوا.
كان المشهد شديد التناقض: واشنطن وطهران خصمان علناً، لكن السلاح الأميركي كان يجد طريقه سراً إلى إيران.
لم يؤد ذلك إلى مصالحة، لكنه أرسى باكراً قاعدة ستتكرر لاحقاً: الأيديولوجيا تحدد سقف العلاقة الأميركية–الإيرانية، لكن المصالح تستطيع فتح أبواب خلفية فيها.
أفغانستان: حين أصبح العدو شريكاً
تكررت التجربة بصورة أوضح بعد هجمات 11 أيلول 2001.
كانت طالبان عدواً مشتركاً للولايات المتحدة وإيران. وعندما قررت واشنطن إسقاط النظام الأفغاني، وجد الخصمان نفسيهما يعملان على هدف واحد.
يروي السفير الأميركي السابق رايان كروكر، الذي أدار جانباً من الاتصالات، أن اللقاءات مع الإيرانيين بدأت في جنيف ثم توسعت وأصبحت أكثر مباشرة. وفي مؤتمر بون الذي أسس لنظام ما بعد طالبان، تعاون الأميركيون والإيرانيون، وكان محمد جواد ظريف أحد اللاعبين الإيرانيين الأساسيين.
والأهم أن بعض محاوري كروكر كانوا على صلة مباشرة بالحرس الثوري وفيلق القدس بقيادة قاسم سليماني. لم يكن الأمر إذاً حواراً بين دبلوماسيين إصلاحيين معزولين عن مركز القوة الإيراني.
ثم جاء خطاب جورج بوش في كانون الثاني 2002 ليضع إيران، إلى جانب العراق وكوريا الشمالية، ضمن "محور الشر". وبحسب كروكر، رجّح الخطاب داخل طهران كفة الذين كانوا يقولون إن التعاون مع أميركا وهم، فتراجعت الاتصالات.
لا يمكن معرفة ما إذا كانت تلك النافذة ستؤدي إلى تحول استراتيجي. لكنها أثبتت شيئاً سيعود مراراً: حتى بعد أزمة السفارة، استطاع البلدان التعاون عندما ظهر تقاطع في المصالح.
العراق: فرصة تنقلب إلى مواجهة
ثم جاء العراق.أسقطت الولايات المتحدة صدام حسين عام 2003، فأزالت من حدود إيران الغربية خصماً خاض معها حرباً استمرت ثماني سنوات.
وبعد سقوط بغداد، وصلت إلى واشنطن عبر السفارة السويسرية ورقة إيرانية، غير واضحة المصدر، عُرفت لاحقاً باسم «العرض الكبير»، طرحت إمكان بحث الملفات العالقة في إطار واسع، من البرنامج النووي إلى الأمن الإقليمي وحزب الله.
ولا يزال حجم التفويض الرسمي الإيراني لمرسليها موضع نقاش، لذلك يصعب اعتبارها صفقة مكتملة رفضتها واشنطن. لكنها تكشف أن فكرة التسوية الواسعة كانت مطروحة حتى في ذروة حكم جورج بوش.
ما حدث بعد ذلك كان العكس.
تحول العراق إلى إحدى ساحات المواجهة الكبرى بين الطرفين، وتمدّد النفوذ الإيراني داخله، فيما أصبح قاسم سليماني أحد أبرز مهندسي شبكة النفوذ الإقليمي الإيراني.
ومن هنا تبلورت استراتيجية مختلفة: إذا كانت الولايات المتحدة القوة العسكرية الأكبر في الشرق الأوسط، فعلى إيران امتلاك ما يكفي من الأدوات لجعل استخدام تلك القوة مكلفاً.
امتدت الشبكة من العراق إلى لبنان، وسوريا، واليمن، وفلسطين. لم يكن المطلوب التفوق على أميركا عسكرياً، بل منعها من العمل في المنطقة من دون احتساب الرد الإيراني، وتنغيص نفوذ واشنطن وحليفتها إسرائيل.
عُمان: الطريق إلى الاتفاق النووي
ومع ذلك، بقيت القنوات مفتوحة.
من سلطنة عُمان بدأت في عهد باراك أوباما اتصالات سرية جدية. وقاد وليام بيرنز وجيك سوليفان الجانب الأميركي في محادثات مهدت لمفاوضات أوسع، وصولاً إلى الاتفاق النووي عام 2015.
للمرة الأولى منذ الثورة، أصبح هناك اتفاق كبير ومكتوب بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة، ضمن مجموعة دولية أوسع: قيود قابلة للتحقق على البرنامج النووي مقابل رفع للعقوبات وإعادة فتح أبواب الاقتصاد.
لكن دونالد ترامب انسحب من الاتفاق عام 2018 وأعاد سياسة "الضغط الأقصى". وردت إيران تدريجياً بتجاوز قيوده وتعزيز أدوات الضغط الإقليمية. وفي كانون الثاني 2020 قتلت الولايات المتحدة قاسم سليماني في بغداد.
كان اغتياله لحظة رمزية: الرجل الذي ساهم في بناء قدرة إيران على مواجهة القوة الأميركية من دون مواجهتها مباشرة، قتلته أميركا مباشرة.
ومع ذلك، لم ينته التفاوض.
وهذه ربما أكثر سمات العلاقة ثباتاً: كلما اقترب الطرفان من القطيعة الكاملة، ظهرت قناة ما؛ سويسرا، أو عُمان، أو قطر، أو العراق، أو باكستان، أو الأمم المتحدة.
2025: من حرب الظل إلى الحرب المباشرة
لكن عام 2025 كسر قاعدة أخرى حكمت العلاقة طويلاً.
بين 13 و24 حزيران، انتقلت المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية من حرب الظل إلى حرب مباشرة استمرت أحد عشر يوماً. ضربت إسرائيل عمق إيران ومنشآتها العسكرية والنووية، وردت طهران بالصواريخ والمسيّرات على إسرائيل. ثم دخلت الولايات المتحدة الحرب مباشرة بضرب منشآت فوردو ونطنز وأصفهان النووية.
كانت تلك لحظة فارقة. فلم تعد واشنطن تكتفي بالعقوبات أو العمليات السرية أو احتواء إيران عبر حلفائها، بل استخدمت قوتها العسكرية مباشرة ضد منشآت داخل الأراضي الإيرانية.
لكن الحرب توقفت من دون أن تنتهي المشكلة التي أشعلتها. لم يختف البرنامج النووي، ولم تتحول الضربات العسكرية إلى تسوية سياسية، وبقي السؤال نفسه معلقاً: ماذا يأتي بعد استخدام القوة؟
ولم تمر سنة حتى جاءت حرب 2026 لتطرح السؤال على نطاق أوسع بكثير.
حرب 2026: حدود القوة
لم تعد المواجهة تدور أساساً عبر الوكلاء والعقوبات والعمليات السرية. تعرضت إيران لضربات أميركية وإسرائيلية واسعة، واغتيل المرشد علي خامنئي وعدد من كبار القادة، وتضررت منشآت عسكرية ونووية وبنى أساسية، فيما لجأت طهران إلى إحدى أهم أوراقها الجغرافية: مضيق هرمز.
أثبتت الولايات المتحدة وإسرائيل قدرة كبيرة على ضرب إيران وإلحاق أضرار هائلة بها، لكنهما لم تثبتا أن التفوق العسكري يستطيع وحده إنتاج نهاية سياسية للحرب أو نظام إقليمي مستقر بعدها.
وفي المقابل، اكتشفت إيران أن قدرتها على إيذاء الاقتصاد العالمي أكبر من قدرتها على حماية أراضيها.
هذه إحدى أهم خلاصات الحرب: أميركا تستطيع إلحاق أضرار هائلة بإيران، وإيران تستطيع جعل استخدام هذه القوة مكلفاً على أميركا وحلفائها والاقتصاد العالمي. لكن أياً منهما لم يستطع حتى الآن تحويل قوته إلى حسم كامل.
حين أصبحت الجغرافيا سلاحاً
لم تكن إيران بحاجة إلى هزيمة الأسطول الأميركي. كان يكفي أن تجعل المرور عبر أحد أهم شرايين الطاقة في العالم محفوفاً بالمخاطر، فترتفع كلفة التأمين والنقل وتتراجع حركة السفن وتدخل أسعار النفط في حسابات الحرب.
ثم تصاعد الضغط عند الطرف الآخر لشبه الجزيرة العربية، في باب المندب والبحر الأحمر، مع الحرب في اليمن وتقدم الحوثيين.
وهنا ظهرت فاعلية الجغرافيا. فخط الشرق–الغرب السعودي، الذي يشكل أحد البدائل لهرمز بنقل النفط إلى ينبع على البحر الأحمر، ينتهي بدوره في فضاء بحري بات معرضاً للضغط.
لم تعد الحرب على إيران مشكلة أميركية–إيرانية فقط. أصبحت مشكلة أمن طاقة عالمي.
وهذه ربما أقوى ورقة بقيت لدى طهران: ليس منع أميركا من ضربها، بل رفع ثمن استمرار الضرب إلى مستوى يتجاوز إيران نفسها.
التفويض شيء… وضمان التنفيذ شيء آخر
ومن قلب الحرب، عاد الطرفان مرة أخرى إلى البحث عن قناة.
أفضت الوساطات في حزيران إلى مذكرة تفاهم أوقفت الحرب مؤقتاً ونظمت المرور في هرمز خلال مهلة مخصصة للتفاوض على تسوية أوسع. لكن التفاهم لم يصمد.
ومع عودة المفاوضات في أيلول، بدا أن سؤالاً أساسياً قد حُسم، أقله في هذه المرحلة: الرئيس مسعود بزشكيان وحكومته يملكان تفويضاً من المرشد للتحرك والتفاوض. وقد أكد بزشكيان أن المقترح الإيراني الأخير منسق مع المرشد، فيما تحدث مسؤولون إيرانيون عن صلاحيات واسعة مُنحت لوفد نيويورك.
لكن التفويض بالتفاوض لا يلغي سؤالاً آخر: هل تستطيع القيادة الإيرانية ضمان تنفيذ ما تتفق عليه في دولة تتعدد داخلها مراكز القوة؟
وتكتسب هنا أهمية الرواية التي نشرتها "نيويورك تايمز" عن الهجوم على السفن في هرمز في تموز. فبحسب مصادر الصحيفة، لم يكن بزشكيان ولا المجلس الأعلى للأمن القومي ولا حتى القيادة العليا للحرس على علم مسبق بالعملية، فيما اتجه التحقيق نحو شبكة مرتبطة بحسين طائب، أحد أبرز رجال المؤسسة الأمنية.
إنها رواية قائمة على مصادر لم تسمها الصحيفة، ولذلك ينبغي التعامل معها بحذر. لكنها، إذا صحت، تنقل السؤال من: من يملك قرار التفاوض؟ إلى: من يستطيع ضمان تنفيذ الاتفاق وضبط من قد يعمل خارجه؟
ولطهران سؤال مقابل لا يقل أهمية: من يستطيع ضمان استمرار ما توافق عليه أميركا؟
فقد تفاوضت إيران مع إدارة أوباما ووقعت اتفاقاً دولياً عام 2015، ثم جاء رئيس آخر وانسحب منه بعد أقل من ثلاث سنوات.
وهكذا تصبح مشكلة الالتزام متبادلة، وإن اختلفت طبيعتها في النظامين: واشنطن تريد ضمان أن تلتزم مؤسسات القوة الإيرانية بما توقعه الحكومة، وطهران تريد ضمان ألا يسقط ما توقعه أميركا بتغير الرئيس أو الإدارة.
القتال والتفاوض
ومع ذلك، عادت المفاوضات.
في أيلول، تحركت الاتصالات عبر قطر، ثم جاءت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك لتدفعها خطوة إضافية.
طرح وزير الخارجية عباس عراقجي خريطة طريق من سبعة أيام: خطوات أميركية تشمل رفع الحصار البحري، وتخفيف القيود على صادرات النفط، والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة ووقف الأعمال القتالية، في مقابل إعادة فتح هرمز والانتقال إلى مفاوضات على اتفاق نهائي.
رفض ترامب الخطة الإيرانية. لكن رفض الخطة لم يكن رفضاً للتفاوض. فقد استمرت الاتصالات غير المباشرة عبر الوسطاء في نيويورك، ووصف مسؤول أميركي المحادثات بأنها "إيجابية وبناءة"، فيما قال ترامب نفسه إن اللقاءات غير المباشرة كانت جيدة.
وهنا تكمن أهمية اللحظة: لم يعد السؤال فقط ما إذا كان الطرفان سيتفاوضان، بل على ماذا، وبأي ترتيب، ومن يتراجع أولاً، وما الضمانة بأن ينفذ الطرف الآخر التزاماته بعد ذلك.
وقد اختصر محمد باقر قاليباف المنطق الإيراني بكلمتين: القتال والتفاوض.
فطهران لا ترى التفاوض بديلاً من القوة، بل تستخدم ما بقي لديها من أوراق لتحسين شروطه. وواشنطن تفعل شيئاً مشابهاً: ترفض الشروط الإيرانية، وتواصل الضغط العسكري والاقتصادي، لكنها تبقي باب التفاوض مفتوحاً.
إيران تستخدم قدرتها على تعطيل الطاقة للوصول إلى الاقتصاد، فيما تستخدم واشنطن الاقتصاد والقوة للوصول إلى ترتيبات نووية وأمنية أفضل.
بعد نصف قرن تقريباً، لا يزال الطرفان يتقاتلان ويتفاوضان في الوقت نفسه.
المفتاح الذي لا تملكه الصين وروسيا
وهنا نصل إلى ما يجعل العلاقة مع أميركا مختلفة عن كل العلاقات التي تناولتها الحلقات الأربع السابقة.
الخليج يستطيع أن يمنح إيران الاستقرار في جوارها، والعكس صحيح. الصين تستطيع شراء نفطها والاستثمار فيها. روسيا تستطيع تزويدها بالسلاح والتكنولوجيا ومساعدتها على تحمل الضغط الغربي. وتركيا تستطيع أن تكون شريكاً تجارياً ومنافساً يمكن التعايش معه.
لكن أياً منها لا يملك المفتاح الذي تملكه واشنطن.
فالاقتصاد الإيراني، بعد عقود من العقوبات والحرب، لا يحتاج فقط إلى مشترٍ للنفط. يحتاج إلى رأس المال والتكنولوجيا والمصارف والتأمين والطائرات والكهرباء والنقل وتحديث قطاعي النفط والغاز وإعادة الإعمار.
تستطيع الصين وروسيا مساعدة إيران على تحمل العزلة. أما الولايات المتحدة فتملك قدرة مختلفة: إزالة جزء كبير من البنية الدولية التي تجعل تلك العزلة مكلفة.
ومن هنا يمكن تصور جوهر أي تسوية مستقبلية: رفع تدريجي للعقوبات، تحرير الأموال المجمدة، إعادة فتح القنوات المصرفية والاستثمارية وتحديث البنية التحتية، مقابل ترتيبات نووية وأمنية وملاحية قابلة للتحقق.
ليست المسألة مساعدات أميركية لإيران، بل إزالة القيود التي تمنعها من استخدام مواردها واستقطاب رأس المال والتكنولوجيا اللذين تحتاج إليهما لإعادة البناء.
لكن أميركا تحتاج إلى مخرج أيضاً
الحاجة ليست إيرانية فقط، وإن لم تكن متساوية.
فالولايات المتحدة أثبتت قدرتها على اختراق إيران وضرب منشآتها وقتل كبار قادتها، لكنها لم تثبت بعد قدرتها على تحويل هذا التفوق إلى نهاية سياسية للحرب.
لم يسقط النظام، ولم يُفتح هرمز بصورة مستقرة، ولم تختف القدرات الإيرانية، فيما امتدت كلفة المواجهة إلى الخليج والبحر الأحمر وأسواق الطاقة.
وهنا تواجه واشنطن معضلتها الخاصة.
عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض تحت شعار "أميركا أولاً" وتقليص كلفة الانخراط الخارجي، فإذا بإدارته تجد نفسها في حرب شرق أوسطية تحتاج إلى انتشار عسكري وذخائر وحماية قواعد وممرات بحرية، فيما تصل آثارها إلى أسعار الطاقة والتضخم والسياسة الداخلية الأميركية.
تستطيع الولايات المتحدة ضرب إيران مجدداً. لكن السؤال لم يعد ماذا تستطيع أن تدمر، بل ماذا يأتي بعد التدمير.
إذا كان الهدف إيران لا تمتلك سلاحاً نووياً، ولا تغلق هرمز، ولا تضرب القوات والمصالح الأميركية، فهناك مساحة للتفاوض.
أما إذا كان المطلوب إيران عاجزة عن امتلاك أدوات ردع، ومنزوعة النفوذ الإقليمي، أو نظاماً مختلفاً في طهران، فإن القوة تستطيع بدء حرب أخرى، لكنها لا تقدم وحدها جواباً عن كيفية إنهائها.
العودة إلى الباب نفسه
أمضت الجمهورية الإسلامية ما يقارب نصف قرن في محاولة بناء إيران خارج النظام الذي تقوده الولايات المتحدة. بنت شبكات إقليمية، واتجهت شرقاً، وربطت نفسها بالصين وروسيا، وطورت قدراتها الصاروخية والنووية، وحاولت بناء اقتصاد قادر على مقاومة العقوبات.
ومع ذلك، بعد خمس حلقات من البحث عن موقع إيران بين الخليج والصين وروسيا وتركيا، نعود إلى الباب الذي بدأت عنده القصة عام 1979.
ليس المطلوب أن تصبح إيران حليفاً لأميركا، ولا أن تعود إلى زمن الشاه، ولا أن تتخلى عن الصين وروسيا.
السؤال أبسط وأصعب: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية الانتقال من اعتبار العداء مع أميركا جزءاً من هويتها إلى اعتباره علاقة مصالح قابلة للإدارة؟
ولواشنطن السؤال المقابل: هل تستطيع الانتقال من محاولة تغيير إيران إلى الاتفاق معها على حدود ما تستطيع فعله؟ وهل تريد إيران لا تمتلك سلاحاً نووياً ولا تهدد حرية الملاحة والمصالح الأميركية، أم تريد إيران عاجزة ومهزومة؟
الأول يمكن التفاوض عليه. أما الثاني فقد أثبت نصف قرن أنه يعيد إنتاج المواجهة بأشكال مختلفة.
وتبقى الثقة هي العقدة. واشنطن تسأل من يضمن قرار إيران بعد خامنئي، وطهران تسأل، بعد تجربة الاتفاق النووي، كم يعيش قرار أميركا بعد تغير الرئيس أو الإدارة.
لكن التطور الأكثر دلالة جاء هذه المرة من بكين.
فالصين، أكبر شريك اقتصادي لإيران وأبرز منافس استراتيجي للولايات المتحدة، لم تستخدم الحرب لتشجيع طهران على المضي في المواجهة. دعا وزير الخارجية وانغ يي إلى العودة إلى تفاهم حزيران وإعادة فتح هرمز، ثم حمل شي جينبينغ الموقف نفسه معه إلى واشنطن.
وفي لقائه ترامب، دعا شي الولايات المتحدة وإيران إلى العودة إلى مسار الحوار والتفاوض، وأيد العودة إلى مذكرة إسلام آباد، وصولاً إلى اتفاق شامل يشمل الملف النووي وغيره. وفي الوقت نفسه، أصبح أمن هرمز والطاقة جزءاً من الحوار بين القوتين الأكبر في العالم.
لا يعني ذلك أن الصين تخلت عن إيران أو انتقلت إلى المعسكر الأميركي. بل يكشف حدود ما تستطيع الشراكة الصينية–الإيرانية أن تقدمه.
تستطيع بكين شراء النفط الإيراني، ومنح طهران ثقلاً اقتصادياً وسياسياً مهماً، ومساعدتها على مقاومة العزلة. لكنها عندما تتحول المواجهة الإيرانية–الأميركية إلى تهديد لأمن الطاقة والتجارة العالمية، لا تعرض على إيران بديلاً عن التسوية مع واشنطن، بل تدفعها نحوها.
وهنا تكتمل دائرة الحلقات الخمس.
من السفارة إلى إيران–كونترا، ومن أفغانستان والعراق إلى عُمان والاتفاق النووي، ومن اغتيال سليماني إلى حربَي 2025 و2026، ومن هرمز إلى قطر ونيويورك، يتكرر السيناريو نفسه: كلما حاول الطرفان إثبات قدرتهما على الاستغناء أحدهما عن الآخر، أعادتهما الجغرافيا والمصالح إلى البحث عن قناة.
لكن هذه المرة ثمة تحول: إيران تحتاج إلى رفع العقوبات ورأس المال والتكنولوجيا لإعادة بناء اقتصاد أنهكته العقوبات والحرب. وأميركا تحتاج إلى هرمز مفتوح، وطاقة مستقرة، وحرب تستطيع إنهاءها من دون أن تزرع بذور الحرب التالية.
بعد نحو نصف قرن على اقتحام السفارة الأميركية في طهران، تبدلت أنظمة وتحالفات وحروب، وصعدت الصين وعادت روسيا وتغير الشرق الأوسط مرات عدة. لكن السؤال الإيراني بقي في مكانه تقريباً: كيف تدير الجمهورية الإسلامية علاقتها بالقوة الأميركية؟
ربما تستطيع إيران أن تناور بعيداً عن واشنطن، وأن تستند إلى موسكو، وأن تتكئ اقتصادياً على بكين، وأن توسع فضاءها الأوراسي.
لكنها عندما تبحث عن التسوية التي تعيد ترتيب موقعها في النظام الدولي، تجد نفسها، مرة بعد مرة، أمام الباب نفسه: باب واشنطن.
(انتهت الحلقات الخمس).




