لم تبدأ الفوضى العالمية في فنزويلا، ولا يبدو أنها ستحطّ الرحال بعد الحرب الأميركية على إيران.
عودة إلى الوراء للقول، إن قطار الفوضى انطلق بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وما رافقه من تداعيات خطيرة، في طليعتها انكسار التوازن الثنائي القطبية بين السوفيات والولايات المتحدة الأميركية.
انهيار التوازن في مركزه، انتقلت عدواه إلى الأطراف التي دارت في الفلك السوفياتي، واستثمار الفوز، بادر إليه الأميركي، داخل الأرض الروسية، وفي دواخل وطنية بعيدة، كان الداخل العراقي واحداً منها، ومثله اليوغسلافي، ومثله لاحقاً، عدد من البلاد العربية التي دفعت ثمن الفوضى من وحدتها ومن التئام عقد اجتماعها الوطني.
افتتحت الترمبية فصلاً جديداً من فصول الفوضى من بوابة الاقتصاد، أطلقت "نار" رسومها الجمركية على الجميع، ثم انتقلت إلى ميدان الحرب، فاختارت المدى الإيراني كعنوان "شيِّق" ومرغوب، دوليّاً وفي الإقليم المتوسطي، وجعلت الهدف إزالة الخطر النووي المحتمل، بعدما قاربت التكنولوجيا الإيرانية عتبة القنبلة النووية.
لكن كما في العراق، أيضاً في إيران، ما الحقيقي وما المزعوم في موضوع "النووي" الإيراني؟ مبرّر السؤال، هو افتضاح أكذوبة سلاح الدمار الشامل العراقي، ثم التراجع عن الأكذوبة، لكن بعد خراب "البصرة" وسائر العراق.
من الانهيار السوفياتي، إلى طلب انهيار إيران، من مدخل سقوط نظامها، أم من مدخل خضوع هذا النظام، يتجدد سؤال من المستفيد؟ ويرافقه سؤال من المتضرّر، وعلى السؤالين يترتب سؤال ثالث: ما جواب المتضررين على سلوكهم السابق حيال الاتحاد السوفياتي، وما جوابهم الحالي على التداعيات السياسية التي ستنجم عن ختام الاشتباك الأميركي – الإيراني؟
في الحالة السوفياتية، ساهمت دول عربية عديدة في التأسيس لهزيمة الجيش السوفياتي في أفغانستان، فقدمت الدعم للقوى "الجهادية" هناك، وأحجمت الدول ذاتها عن قراءة اللوحة الاقتصادية في بلاد السوفيات، فلم تبادر إلى استثمار أو دعم يعين على تجاوز الأزمة المتفاقمة في الداخل السوفياتي.
إذن، لقد ساهمت الدول الحليفة للولايات المتحدة الأميركية في التمهيد للانهيار السوفياتي عندما دعمت "المجاهدين" في أفغانستان، وعندما رحَّبت بتوظيف هزيمة الجيش السوفياتي وانسحابه من الأرض الأفغانية، هذه الهزيمة مقرونة بالمصاعب الاقتصادية والمصاعب الاجتماعية، التي أوصلت إلى الانهيار.
هدف التذكير بالاتحاد السوفياتي السابق، ليس التأسّي على أحواله، ولا إحياء الأسف على مآله، بل هدفه سؤال من آزروا السياسية الأميركية في تلك الحقبة، عن أحوالهم مع الحلفاء الأميركيين في ذلك الزمن، وعن أحوالهم مع هؤلاء الحلفاء في حاضر هذه الأيام.
من موقع المراقبة العامة، ثمّة متغيّر أساسي، بل جوهري، حصل ما بين الأمس واليوم، هو انتقال المؤازر من موقع الحليف ذي الوزن الاعتباري المحدّد، إلى موقع المستبعد أو الهامشي أو المستتبع، وفق أكثر من أسلوب سياسي واقتصادي، وابتزازي حتى، وعندما يلزم الأمر. كان المؤازر حليفاً، عندما كانت الحرب الباردة بين قطبي الرحى العالميين، والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية، وكان التمييز بين معسكرين، اشتراكي وامبريالي، يحفظ للأعضاء اسماً أو رقماً بين الأعداد... هذا التمييز زال بزوال "القطبية"، وانتفت الحاجة إليه.
الانتقال من حالٍ إلى حال، رافقه ارتفاع مظلّة الحماية "القطبية"، أو الاستقطابية، وعليه، كان على المؤازرين السابقين، أن يواجهوا بجهودهم الذاتية، "شموس" التقلبات الفوضوية العالمية... التي تعيث في ساحات البلاد والأقاليم... خراباً.
الولايات المتحدة الأميركية التي تقود فوضى اليوم، دأب سياسيوها على وصف الآخرين "بالشرّ". الرئيس الأميركي دونالد ريغان، أطلق على الاتحاد السوفياتي اسم "إمبراطورية الشر" وأردف قوله باسم آخر، هو "بؤرة الشر في العالم الحديث".
الرئيس جورج بوش الإبن، وسَّع مساحة التسمية، فأعطى العراق وإيران وكوريا الشمالية، اسم "محور الشرّ"، وعلى الصراط التوصيفي ذاته، يعتمد الرئيس دونالد ترامب "الشرّ" اسماً في صراعه مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
قسمة العالم إلى "فسطاطين" لم تكن من اجتهاد الجهاد بين "الأخيار" فقط، بل كانت من بنات أفكار الإمبرياليين "الأحرار" أيضاً، وعليه، ماذا عن أخلاقيات الخير التي تعتمدها الإدارة الأميركية الحالية في إيران؟ وماذا عن "الخيرات" الجانبية التي يجنيها سائر المتضرّرين في الإقليم؟
ذكر الاتحاد السوفياتي، وانهياره من داخله، بفعل تضافر ضغوط خارجية إضافية، حدثٌ من الماضي، ووظيفة الماضي استخلاص الدروس منه، من قبل كل الفاعلين الذين كانوا من أطراف وقوى الحدث، ومهمّة استخلاص هؤلاء اليوم، الوقوف أمام الحرب الأميركية – الإيرانية، ليميّزوا بين شرّ الحرب وخيرها على مصالحهم أولاً، وليحددوا طريقة اتقاء هذا الشر سواءً بتعجيل نتائجه التي تستهدف إيران، أو بتأجيل هذه النتائج، أو بدرء مفاعيلها التدميرية. من نافل القول أنّ لكل سلوك مماط سبق ذكر أسبابه وحيثيّاته، ومن على الأطراف سوى التدقيق في ذلك بعناية ودراية وبنظرات سياسية تخاطب الحاضر، وتقرأ في كتاب المستقبل.
ما هو معروض من مراجعة سياسية مقارنة، بين ماضٍ وحاضر، ليست سهلة، ومن بين أسباب صعوباتها، الموقف الأميركي إيّاه، الذي يبدو "بهلوانيّاً" وهو ليس كذلك، والموقف الإيراني الذي يبدو "أعمى" سياسيّاً، وهو كذلك. في هذا المجال، من المرجّح، أن البهلوانية الإرباكية هي استراتيجية ترمبية مدروسة، وتسميتها بسياسة "الصفقة" تناسب واقع الحال... وعلى الطريق الأميركية المأثورة، "من يدفعْ يحملُ"، وفي سوق البيع والشراء، والدفع والحمل، اهتزَّ الشرق الأوسط، وكانت ارتداداته الأهم في الخليج العربي، حيث "العدوانية" الإيرانية العمياء، وفي لبنان وسوريا وفلسطين، حيث الوحشية الإسرائيلية المرعية والمحميّة من قبل الراعي الأميركي الذي يقود الهجوم "الاستعماري الجديد".
والحال، ليست مقارنة متأخرة بين الزمن السوفياتي وظروفه وسياساته، وبين الزمن الإيراني وما هو معلوم وملموس من أحواله، استبعاد المقارنة يؤكّد على الهدف السياسي الأميركي الذي ذهب إلى إعلان قيادة أميركا للعامل سواء من خلال شعار "الأمركة" في الحقبة "البوشيّة"، أو من خلال "أميركا أولاً" مع الترمبية الحالية.
ثمن القيادة باهظٌ على البلاد المدعوّة إلى الانتظام في "طابور" الانضباط التنظيمي الجديد. وسائل "إقناع" المتردِّدين متعدّدة، ومع هؤلاء المساومين على حدود الدور، أو على الثمن المقابل للدور، ومع هؤلاء وأولئك أيضاً، من يُبدي ممانعة قصيرة الأجل، أو طويلة الامتناع عن الوقوف في صف الامتثال.
أين تقف إيران اليوم من ذلك؟ هي في صفّ تأخير اصطفافها حتى بلوغ "السعر" الأعلى التي تراه مناسباً لموقعها ولمصادر قوتها وللدور الذي يمكن أن تؤديه في الفراغ الإقليمي التي كانت الولايات المتحدة السبب الأول والأخطر، في حصوله.
وأين يقف الأميركيون من موقف إيران؟ هم في نقطة عدم الذهاب إلى حدّ تغيير النظام، كحلقة إضافية في سلسلة "الفوضى" العالمية، بل ما زالوا يؤثرون إدخال النظام دخولاً مضبوطاً على إيقاع ما تتطلبه "الفوضى" في مرحلتها الراهنة.
على خلفية وعي المصالح الظاهرة والمستترة، خلف وضمن يوميات الحرب الأميركية الإيرانية، كيف يعيد المتضررون حساباتهم؟ وفي المقدمة، كيف تراجع الدول العربية سياساتها؟
المسؤولية السياسية، وبمفعول رجعي، أظهرت حتى الآن مهمّة رئيسية هي مهمّة بناء القوى الذاتية، وتحصين كل داخل وطني منعاً للنفاذِ من بين شقوق عثراته، وإدراك معنى المثل القائل "إن الثوب المستعار لا يؤمِّن دفئاً".
إذن من أين الدفء؟ كما سبق، من الداخل أولاً، ومن الإقليم المهدَّد "بالصقيع" ثانياً، ومن التفاهمات الدولية المتاحة، ودائماً على أساس المصالح التي هي من حزمة مسائل اقتصادية وأمنية ونفوذ مقبول وسياسات متقاربة، خصوصاً في المسائل الحساسة التي تشغل بال الساحة العالمية.




