تتّجه الأنظار إلى واشنطن، حيث ينتقل الثقل السياسي اللبناني من أسبوع نيويورك إلى اجتماعات الوفد اللبناني برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، وفي مقدّمها لقاؤه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. ويأتي اللقاء فيما يقف لبنان أمام استحقاقين بالغي الحساسية: تصعيد إسرائيلي متدرّج جنوبًا، على وقع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول، وأزمة معيشية تستعدّ للعودة إلى الشارع بتحرّكات مطلبية مرتقبة الأسبوع المقبل. وبين ضغط الميدان وضغط الداخل، تدخل حكومة سلام مرحلة تختبر قدرتها على تحريك المسار الدبلوماسي خارجًا ومنع تفلّت الأزمة الاجتماعية داخليًا.
ويُنتظر أن يحتلّ الجنوب موقعًا متقدّمًا في لقاء سلام وروبيو، من مصير المفاوضات المعلّقة والانسحاب الإسرائيلي إلى مستقبل الوجود الدولي بعد "اليونيفيل"، وحصرية السلاح ودعم الجيش. فالزيارة تأتي بعدما رسم سلام في الأمم المتحدة سقف الموقف اللبناني، فيما يصبح السؤال في واشنطن أقلّ ارتباطًا بالمواقف وأكثر اتصالًا بما تستطيع الإدارة الأميركية فعله لتحويل "التبادلية" بين الخطوات اللبنانية والإسرائيلية إلى مسار تنفيذي. وكانت رئاسة الحكومة قد أعلنت أن محطة واشنطن تشمل لقاء روبيو، إلى جانب اجتماعات مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا ورئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا ومسؤولين أميركيين ودوليين.
المفاوضات معلّقة إلى ما بعد الانتخابات
وتقول مصادر دبلوماسية لـ"المدن" إن المشهد اللبناني قد يبقى معلّقًا خلال الأسابيع المقبلة، مع صعوبة إحداث خرق تفاوضي جدّي قبل الانتخابات الإسرائيلية المقرّرة في 27 تشرين الأول. ولا تستبعد المصادر أن يبقى وضع الجنوب على حاله، مع تصاعد وتيرة العمليات الإسرائيلية، ليس حتى موعد الانتخابات فحسب، بل ربما إلى ما بعدها، ريثما تتّضح الخريطة السياسية الإسرائيلية والاتجاه الذي ستسلكه الحكومة المقبلة في التعامل مع الجبهة اللبنانية.
وفي هذا السياق، تبدو جولة روما مؤجّلة عمليًا. وكانت "المدن" قد أشارت إلى إرجاء البحث في المفاوضات إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، مع تراجع فرص تحقيق خرق دبلوماسي قريب.
السفير الأميركي ميشال عيسى أكّد بدوره أن الجولة التي كان يُفترض عقدها في الأسبوع الأول من تشرين الأول "تأجّلت قليلًا"، وأن لا موعد محسومًا لها حتى الآن، رابطًا التأخير بـ"تعقيدات ملف علي الطاهر"، ومتحدّثًا عن تغيّرات متوقعة قريبًا.
وهنا يبرز أحد أهداف لقاء سلام وروبيو: معرفة ما إذا كانت واشنطن قادرة على إعادة تشغيل المفاوضات، ومنع تحوّل فترة الانتظار إلى مساحة إضافية لإسرائيل لفرض وقائع جديدة على الأرض.
بعد علي الطاهر.. الضغط يتّجه إلى الريحان؟
ففي الوقت الذي تنتظر فيه المفاوضات، لا ينتظر الميدان. وبعد التطورات العسكرية في علي الطاهر، شهدت مرتفعات سجد وجبل الريحان غارات إسرائيلية جديدة، قبل أن يعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف مستودعًا قال إنه يحتوي على وسائل قتالية لـ"حزب الله" في منطقة سجد.
ولا تكفي الغارات وحدها للجزم بأن إسرائيل قرّرت نقل النموذج الذي اتبعته في علي الطاهر إلى جبل الريحان، إلا أن توسيع نطاق الاستهداف يطرح هذا الاحتمال بقوّة، خصوصًا بالتزامن مع التوغلات والتفجيرات المستمرّة جنوبًا، من دير ميماس إلى المنصوري ومجدل زون وميس الجبل.
وهكذا تتكرّس فجوة تكبر يومًا بعد آخر: المسار السياسي مؤجّل، بينما تتحرّك إسرائيل ميدانيًا وتوسّع مساحة الضغط قبل استئناف التفاوض.
عيسى: السلاح والانسحاب و"اليونيفيل"
ولا يقتصر كلام عيسى على موعد روما. فالسفير الأميركي وضع معادلة أميركية واضحة، معتبرًا أن تسليم "حزب الله" سلاحه يفتح الباب أمام السلام، وأنه إذا نُزع السلاح وانسحبت إسرائيل، فلن تعود هناك حاجة إلى "اليونيفيل".
وهذه تحديدًا إحدى العقد التي ستقف أمام سلام وروبيو. فبيروت تتمسّك بمبدأ التبادلية، أي أن يترافق بسط سلطة الدولة وحصر السلاح مع انسحاب إسرائيلي ووقف الاعتداءات، وهو ما سبق أن أكّده سلام في لقاءاته مع الجانب الأميركي، حين شدّد على أن هدف المسار التفاوضي هو الانسحاب الإسرائيلي بالتوازي مع بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
ومن هنا يصبح مستقبل "اليونيفيل" جزءًا من التسوية نفسها، لا ملفًا منفصلًا عنها: من يراقب الجنوب، ومن يملأ أي فراغ أمني، ومتى تنسحب إسرائيل، وكيف يُنفّذ مسار حصرية السلاح؟
الحكومة بين الجنوب والشارع
وفي موازاة الاختبار الخارجي، تستعدّ حكومة سلام لأسبوع داخلي لا يقلّ حساسية. فالتحرّكات المطلبية المرتقبة لموظفي القطاع العام والعسكريين المتقاعدين وقطاعات أخرى تعيد ملف الرواتب والأجور وبدلات النقل إلى الواجهة، في ظلّ تآكل القدرة الشرائية والغلاء المتراكم.
ولا تبدو الحكومة أمام تهديد سياسي مباشر، ولا سيّما أنها خرجت أخيرًا من اختبار الثقة النيابية، لكن الخطر يكمن في تحوّل الأزمة الاجتماعية إلى استنزاف متراكم إذا عجزت عن احتواء الشارع من دون تفجير التوازن المالي.
وهكذا يدخل لبنان أسبوعًا تتقاطع فيه الاستحقاقات: جنوب قد يبقى معلّقًا إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، ومفاوضات مؤجّلة بلا موعد، وشارع يستعدّ لاستعادة صوته. وبينها جميعًا، تصبح واشنطن المحطة التي يُفترض أن تكشف ما إذا كان لقاء سلام وروبيو قادرًا على تحريك ما بقي جامدًا، أم أن لبنان سيبقى، مرة أخرى، ينتظر السياسة فيما يسبقها الميدان.




