حارة حريك.. حي يسكنه نصر الله في ذاكرة اهله

نغم ربيعالسبت 2026/09/26
مكان إشتسهاد نصرلله في الضاحية الجنوبية 2026 (مصطفى جمال الدين)
صورة الموقع الذي صار مقصداً لمن يريد أن يقف أمام نقطة ارتبطت في ذاكرته باغتيال السيد نصرالله (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

"الجميع صار يخاف من هذا الحي، مع إنه أحلى حي". هكذا يصف علي الموسوي، أحد أبناء حارة حريك، المكان الذي يعرفه منذ سنوات، بعدما صار شارع العاملية، الذي كان جزءاً عادياً من يومياته مرتبطاً بواحدة من أكثر اللحظات حضوراً في ذاكرة المنطقة، اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله، السيد حسن نصرالله، فيه.

يستعيد الموسوي الحي كما كان قبل ذلك اليوم. يشير إلى أماكن يعرفها جيداً، إلى الملعب والبناية والبورة، وإلى تفاصيل صغيرة لا تظهر في صور المكان الجديدة. بالنسبة إليه، لم يتغير الشارع لأن مبانيه تضررت فحسب، بل لأن شيئاً في حياة سكانه انكسر أيضاً.

 

جارٌ لم يعرفوا أنهم كانوا يجاورونه

ولعلّ من أكثر ما يستوقف أبناء الحي اليوم، تلك الحسرة المرتبطة بحقيقة أن الرجل الذي أصبح المكان بعد اغتياله رمزاً، كان جاراً لهم وقريباً منهم، من دون أن يعرف كثيرون أنهم كانوا يعيشون إلى جواره.

وتختصر ابنة السيد حسن نصرالله، زينب، هذه المفارقة حين تحدثت عن المكان قائلة إنه كان جارها، من دون أن تعرف ذلك. 

ولم يكن المكان الذي وقعت فيه عملية الاغتيال مجرد نقطة في الحي. الحفرة التي خلّفها الانفجار بقيت شاهدة على ما حدث، وحملت معها تفاصيل الساعات واللحظات الأخيرة، فيما تتكشف الروايات والتفاصيل تباعاً، لتضيف إلى المكان طبقات جديدة من الذاكرة.

لهذا، لا يبدو الشارع اليوم مجرد مساحة تغير شكلها بفعل الحرب. فكل زاوية فيه تستعيد، بطريقة أو بأخرى، أسئلة عن الماضي: من كان يعرف؟ وكيف عاش الرجل الذي أصبح اسمه مرتبطاً بهذا المكان، قريباً من سكانه من دون أن يعرف كثيرون أنهم كانوا يعيشون إلى جواره؟

مكان إشتسهاد نصرلله في الضاحية الجنوبية 2026 (مصطفى جمال الدين)
(مصطفى جمال الدين)

في محيط مكان الاغتيال، تبدو الحياة اليوم وكأنها تستعيد شيئاً من إيقاعها. الطرق التي تضررت أعيد تعبيدها، أبنية رممت واجهاتها، وأخرى لا تزال ورشها قائمة. عمال يصعدون إلى الواجهات، أكوام من مواد البناء، وحركة سيارات ومارة تعيد إلى المكان شيئاً من حياته اليومية.

يقف أحد أصحاب الورش وسط العمال، يراقب تقدّم العمل، ويقول لـ"المدن": "قبل حوالي السنة بدأنا بالترميم، ولكن عندما تجددت الحرب تأخرنا، والآن حوالي الشهر وننتهي".

الترميم هنا لا يتوقف عند إصلاح واجهة أو إعادة طلاء جدار. إنه جزء من محاولة أوسع لإعادة المكان إلى الحياة. الأبنية التي أصابها الدمار تعود تدريجياً إلى شكلها، والطرقات التي كانت تحمل آثار الحرب تستعيد حركتها.

إلا أن ما لا يمكن ترميمه، بالنسبة إلى أبناء الحي، هو ما تبدّل في تركيبته البشرية.

يقول الموسوي إن عودة الحي إلى ما كان عليه تبدو صعبة، لأن كثيراً من سكانه غابوا عنه. "لا يمكن أن يعود الحي كما كان قبل استشهاد السيد، لعدة أسباب، منها أن جيران كثر استشهدوا، وأهالي المنطقة تفرقوا، منهم من سافر ومنهم من غيّر مكان إقامته".

فالحي الذي كان يعرف أبناءه واحداً واحداً، فقد جزءاً من أهله، فيما حلّ سكان جدد مكان آخرين غادروا.

مكان إشتسهاد نصرلله في الضاحية الجنوبية 2026 (مصطفى جمال الدين)
(مصطفى جمال الدين)

"أغلب السكان مستأجرون جدد"

خالد، أحد أبناء الحي، يروي سيرة المكان من خلال مقعد في مقهى. يقول لـ"المدن": "كنا نحو 30 شاباً نجتمع يومياً في المقهى، أما اليوم فقد تفرّقنا؛ فمنّا من استشهد ومنّا من سافر. حتى الجيران، لم نعد نعرف معظمهم. في السابق، كنا جميعاً نعرف بعضنا بعضاً، أما اليوم فأغلب السكان مستأجرون جدد".

يستذكر خالد حياً كان، بالنسبة إلى أبنائه، مضرب مثل في النظام والترتيب. يتحدث عن إنارته التي كانت تتوهج في ليالي رمضان، وعن هدوئه، حتى إنه كان يعتبر من أهدأ شوارع الضاحية.

ظافر، الذي يملك مكتباً لتأجير السيارات في الحي، يضع الفكرة في جملة واحدة. كان في مكتبه في اليوم الذي اغتيل فيه نصرالله، ويقول "لو راحت الدني كلها وبقي هو كان أحسن. كل شيء يمكن تعويضه، بناية وحي، ولكن السيد لن يعود".

مكان إشتسهاد نصرلله في الضاحية الجنوبية 2026 (مصطفى جمال الدين)
(مصطفى جمال الدين)

شارع صار له معنى آخر

قبل ذلك اليوم، كان الشارع بالنسبة إلى سكانه طريقاً إلى البيت والعمل والمقهى والمدرسة، ومكاناً يعرفونه بتفاصيله اليومية. بعده، صار للمكان اسم آخر في الذاكرة. لم يعد المرور فيه مجرد عبور. أصبح الوقوف فيه مقصوداً، والنظر إلى نقطة محددة فيه جزءاً من طقس الزيارة.

ومع اقتراب الذكرى الثانية، بدأت التحضيرات للمجالس والفعاليات والنصب التذكارية في الموقع. ويقول أحد الحاضرين إن الأيام الأخيرة شهدت عودة حركة الزوار إلى المكان، مع توافد أشخاص من مناطق مختلفة، وبينهم زوار من جنسيات متعددة.

سيارات تتوقف، أشخاص يترجلون، يتأملون الموقع، يلتقطون الصور أو يقفون للحظات، ثم يغادرون. هكذا، يتحول الشارع شيئاً فشيئاً من حيّ سكني إلى مكان له رمزيته الخاصة.

مكان إشتسهاد نصرلله في الضاحية الجنوبية 2026 (مصطفى جمال الدين)
(مصطفى جمال الدين)

"أستقصد أن أمر من هنا"

غادة، القادمة من المريجة، تتوقف بسيارتها برفقة أولادها في مقابل المكان. تنظر إليه لبعض الوقت. تقول لـ"المدن" إنها لم تكن تزور المنطقة قبل استشهاد السيد نصرالله، بل لم تكن تعرفها جيداً، أما اليوم، "أستقصد أن أمر من هنا، أشعر به هنا أكثر من المرقد".

أما إم حسن سلمان فترى أن "هنا الحياة والأمل والقوة. قبل كان الحي عادة لا رمزية له، الآن أصبح له معنى وقوة، ومن يمر من هنا يشعر أنه استشعر الدنيا والحياة".

وعلى مسافة قريبة، يسكن علي زهوة في أحد أبنية الحي. بالنسبة إليه، بات الانتماء إلى هذا المكان يحمل معنى إضافياً. يقول "أنا أفتخر أنني من سكان هذه المنطقة، لهذه المنطقة رمزية كبيرة بالنسبة لي".

 

زائرون أجانب

لم تعد ذاكرة الحي ملكاً لسكانه وحدهم. فمع اقتراب الذكرى، يأتي إلى المكان أشخاص لم يعرفوه من قبل، بعضهم من مناطق لبنانية مختلفة، وبعضهم من خارج لبنان. بين القادمين، عراقيون أيضاً.

عباس العبيدي يقف في المكان، يتأمل المشهد، قبل أن يقول لـ"المدن" أن "صعب هذا المكان جداً. لن يفهموا الآن، ولكن سيفهموا لاحقاً عظمة هذا الرجل".

هنا، تتجاور صورتان للمكان، صورة الحي الذي يعرفه سكانه من خلال تفاصيل الحياة اليومية، وصورة الموقع الذي صار مقصداً لمن يريد أن يقف أمام نقطة ارتبطت في ذاكرته باغتيال السيد نصرالله.

 

مكان إشتسهاد نصرلله في الضاحية الجنوبية 2026 (مصطفى جمال الدين)
(مصطفى جمال الدين)

بعد عامين، يبدو أن حارة حريك تعيش بين زمنين، زمن المكان كما كان، بشوارعه الهادئة ومقاهيه وجيرانه، وزمن المكان الذي صار رمزاً بعد أن ارتبط اسمه بلحظة اغتيال السيد نصرالله.

الحجارة تتغير، والطرق تُعبّد، والأبنية ترتفع من جديد. أما الشارع نفسه، فقد اكتسب ذاكرة جديدة، يبدو أن أبناءه والزائرين إليه يتعاملون معها بوصفها جزءاً من هويته الجديدة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث