تضع التحركات المطلبية المرتقبة، وما سبقها من اعتراضات لموظفي القطاع العام والعسكريين المتقاعدين وقطاعات أخرى، حكومة نواف سلام أمام اختبار اجتماعي جدي. فالأزمة المعيشية لم تعد محصورة بفئة، فيما تتزايد المطالب بإعادة النظر في الرواتب والأجور وبدلات النقل، بما يضع الحكومة أمام معادلة صعبة بين الاستجابة لهذه المطالب والمحافظة على التوازنات المالية.
لكن اتساع الاحتجاج لا يعني بالضرورة تحوله إلى تهديد لمصير الحكومة. فالتجربة اللبنانية تظهر أن الشارع نادراً ما أسقط حكومة بقوته الذاتية، بل كان سقوط الحكومات نتيجة التقاء الضغط الشعبي مع عوامل سياسية أخرى، من انهيار الغطاء الداخلي وتبدل التحالفات إلى دخول أحزاب وازنة في معركة الإسقاط أو تغير البيئة الإقليمية والدولية.
في عام 1992، تزامنت الاحتجاجات والإضراب العام مع أزمة نقدية واقتصادية حادة انتهت باستقالة حكومة عمر كرامي. وفي 2005، جاءت استقالة حكومته الثانية وسط احتجاجات واسعة بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بالتوازي مع تغير كبير في المشهد الداخلي وضغط دولي على الوجود السوري في لبنان.
كذلك، لم تتحرك انتفاضة 17 تشرين عام 2019 في فراغ سياسي. فقد شكل الشارع ضغطاً هائلاً على حكومة سعد الحريري، لكن ذلك ترافق مع أزمة داخل التسوية السياسية وعلاقة مضطربة مع رئيس الجمهورية ميشال عون والتيار الوطني الحر، فضلاً عن تراجع مستوى الدعم السعودي الذي كان يحظى به الحريري مقارنة بمراحل سابقة.
في المقابل، عرف لبنان محاولات حزبية مباشرة لاستخدام الشارع في تغيير الحكومات. بين عامي 2006 و2008، قاد "حزب الله" وحلفاؤه اعتصاماً مفتوحاً ضد حكومة فؤاد السنيورة من دون أن ينجحوا في إسقاطها. وفي 2011، تغير الأمر عندما امتلك الحزب وحلفاؤه الأداة السياسية والدستورية، فسقطت حكومة سعد الحريري باستقالة أكثر من ثلث أعضائها.
المعادلة إذاً ليست مرتبطة بحجم الشارع وحده، بل بوجود قوة سياسية قادرة على ترجمة الضغط إلى تغيير داخل السلطة.
أين هذه القوة اليوم؟
لا تبدو هذه المعادلة متوافرة حالياً حول حكومة نواف سلام. ففي 16 أيلول خرجت الحكومة من اختبار مباشر في مجلس النواب وحصلت على ثقة 68 نائباً مقابل 12 حجبوا عنها الثقة وامتناع نائبين.
وكان لافتاً أن نواب حركة "أمل" منحوا الحكومة الثقة، فيما غادر نواب "حزب الله" القاعة ولم يشاركوا في التصويت. وهذا التمايز داخل الثنائي له دلالته، لأنه يظهر أن الاعتراض على بعض خيارات الحكومة لا يساوي وجود جبهة متماسكة لإسقاطها.
فالإضرابات والاعتصامات تستطيع رفع الكلفة على الحكومة ودفعها إلى تقديم تنازلات، لكنها لا تغير وحدها الأكثرية النيابية التي تستند إليها.
حزب الله: تأثير مستمر وقدرة أضيق
لا يزال حزب الله قوة سياسية أساسية، يملك كتلة نيابية وتمثيلاً حكومياً وقاعدة حزبية وتنظيمية ، لكنه لم يعد يتحرك ضمن موازين القوى نفسها التي سمحت له وحلفائه بقلب المعادلة الحكومية عام 2011.
فالحزب تعرض لخسائر كبيرة في حربي الإسناد، بالتوازي مع تغير البيئة السياسية والإقليمية المحيطة به. وهو لم يخرج من المعادلة الداخلية، لكن قدرته على إعادة تركيبها وفق شروطه باتت أكثر محدودية.
وتقدم حكومة سلام نفسها مثالاً على ذلك. ففي 2 آذار، اتخذ مجلس الوزراء قراراً بالغ الحساسية بحظر نشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية واعتبارها خارجة عن القانون، وإلزامه بتسليم سلاحه للدولة وحصر نشاطه في المجال السياسي.
في مراحل سابقة، كان قرار بهذا الحجم مرشحاً لفتح أزمة سياسية وأمنية كبرى كما حصل في 7 أيار. لكن الحكومة استمرت، والأكثر إثارة للاهتمام أن الحزب بقي ممثلاً فيها على الرغم من اتخاذها قراراً يتعارض جذرياً مع رؤيته لدوره وسلاحه.
وهذا البقاء لا يتعلق فقط بخيار الحزب، بل أيضاً بقدرته على فرض معادلة بديلة. فهو لا يملك منفرداً الأدوات النيابية أو الحكومية الكافية لإسقاط سلام، ولا يستطيع افتراض أن حلفاءه التقليديين سيخوضون معه معركة كهذه.
فحركة "أمل"، الحليف الأساسي للحزب، لا تقف في موقع إسقاط الحكومة، وقد أكدت موقفها عملياً عندما منح نواب كتلة "التنمية والتحرير" الثقة لسلام. وبالتالي، فإن تكرار سيناريوهات سياسية سابقة يحتاج اليوم إلى تحالف أوسع لا تظهر ملامحه في المجلس النيابي.
مظلة أميركية وعربية
العامل الآخر الذي يحد من احتمالات تحويل الاحتجاجات إلى أزمة حكم هو البيئة الخارجية المحيطة بالحكومة. فالمواقف السياسية والدبلوماسية التي رافقت جلسة الثقة أشارت إلى عدم وجود رغبة أميركية أو عربية في إسقاط حكومة سلام وفتح فراغ حكومي جديد. وتتعامل واشنطن مع الحكومة باعتبارها شريكاً في ملفات أساسية، من حصرية السلاح ودعم الجيش إلى المفاوضات المرتبطة بالجنوب والإصلاحات الاقتصادية.
الموقف العربي يسير في الاتجاه نفسه. السعودية أعادت فتح مسار اقتصادي مع لبنان وربطت خطواتها بالتقدم الذي تحققه الدولة ومؤسساتها، فيما أعلنت الإمارات دعمها لجهود الحكومة في تعزيز السيادة والاستقرار، وجددت قطر دعمها للدولة اللبنانية خلال اللقاءات الأخيرة في نيويورك.
المسألة لا تتعلق بحماية خارجية للحكومة، بقدر ما تتعلق بغياب مصلحة لدى هذه الدول في إسقاطها. فواشنطن والعواصم العربية المعنية بالملف اللبناني تراهن حالياً على استمرارية المؤسسات وعلى مسار سياسي وأمني واقتصادي تقوده السلطة التنفيذية القائمة. وإحداث فراغ في السراي يعني عملياً تعطيل جزء كبير من هذا المسار.
وهذا العامل يضيف عقبة أخرى أمام أي قوة داخلية قد تفكر في استثمار التحركات المطلبية سياسياً. فإسقاط الحكومة يحتاج في لبنان عادة إلى التقاء ظروف داخلية وخارجية، فيما الاتجاه الخارجي الحالي يسير نحو تثبيت الاستقرار الحكومي.
الاختبار اجتماعي أولاً
هذا لا يعني التقليل من قدرة التحركات المطلبية على إرباك الحكومة. المشكلة الفعلية بالنسبة إلى سلام تكمن في احتمال تراكم الاعتراضات الاجتماعية وانتقالها من قطاع إلى آخر، خصوصاً إذا عجزت الحكومة عن تقديم حلول تتناسب مع حجم التدهور في القدرة الشرائية.
عندها يمكن للضغط المطلبي أن يتحول تدريجياً إلى مشكلة سياسية، لأنه يستهلك رصيد الحكومة ويفتح المجال أمام قوى معارضة لاستثماره.
لكن المسافة ما زالت كبيرة بين هذين المستويين. ففي اللحظة الحالية، لا توجد أكثرية نيابية لإسقاط الحكومة، ولا يقف حليف "حزب الله" الأساسي إلى جانب خيار كهذا، كما أن الحزب نفسه لا يمتلك منفرداً القدرة التي كانت متاحة له في مراحل سابقة، بينما لا تريد واشنطن والعواصم العربية المؤثرة إدخال لبنان في فراغ حكومي جديد.
لذلك تبدو التحركات المقبلة اختباراً لقدرة حكومة سلام على إدارة الملف الاجتماعي وليس لبقائها. فقد تضطر إلى التراجع في بعض القرارات أو زيادة الإنفاق أو الدخول في تسويات مع القطاعات المحتجة، لكن انتقال الأزمة من الشارع إلى إسقاط الحكومة يحتاج إلى تبدل أوسع في ميزان القوى، وهذا التبدل لا تظهر مؤشراته حتى الآن.




